الروايات المأثورة وسياق الخوف من غضب الله:
يستمر نوح عليه السلام في مناظرته المفحمة لقومه، كاشفاً عن عمق خوفه من الله تعالى، ومعلناً أنه لو استجاب لمطلبهم الجائر بطرد الضعفاء المؤمنين لتعرض لسخط الله وبأسه، فمن ذا الذي يستطيع نصرته وحمايته من عقاب الله؟!
روى ابن جرير الطبري (تفسير الطبري: 15/ 297)مصدر غير محدد١٥/٢٩٧ بسنده عن قتادة ومجاهد والضحاك: {وَيَا قَوْمِ مَن يَنصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِن طَرَدتُّهُمْ}: أي من يمنعني من عذاب الله إن طردت هؤلاء المؤمنين الصادقين وظلمتهم بغير حق؟ لا أحد يقدر على نصرتي ودفع بأس الله عني، {أَفَلَا تَذَكَّرُونَ}: أي أفلا تعتبرون وتتفكرون فتعلموا أن طرد أولياء الله ظلم موجب لسخطه وعقابه؟!
وأخرج ابن كثير (4/ 316)مصدر غير محدد٤/٣١٦ أن هذا من أعظم براهين العدالة والورع النبوي؛ فنوح عليه السلام يعلم أن طرد المؤمنين ظلم، والظلم محرم لا يحابي الله فيه أحداً، حتى لو كان نبياً مرسلاً، فكيف يقدم على أمر يوبقه بين يدي ربه؟!
أقوال أئمة التحقيق:
القرطبي(9/ 44)مصدر غير محدد٩/٤٤: بَيَّن أن الاستفهام في {مَن يَنصُرُنِي} استفهام إنكاري بمعنى النفي التام؛ أي لا ناصر لي من عذاب الله إن ارتكبت هذا الظلم إرضاءً لشهواتكم وأهوائكم.
ابن تيمية(مجموع الفتاوى: 14/ 410)مجموع الفتاوىابن تيمية١٤/٤١٠: استدل بالآية على أن حقوق المؤمنين محرمة بحرمة الله، وأنه لا يجوز لمسلم أن يظلم مسلماً أو يحتقره لأجل جاه أو كبراء؛ فإن الله ينتصر لأوليائه المؤمنين.
السعدي(ص 381)مصدر غير محدد٣٨١: قال: هذا استدلال عقلي وجداني قاطع؛ فنوح يقرر أنه عبد مأمور يخاف عقاب ربه، فكيف يطلبون منه ارتكاب معصية توجب هلاكه وهم عاجزون عن نصرته ودفع عذاب الله عنه؟!
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
يَنصُرُنِي
النصر في اللغة العون والمنع والدفع؛ ونصرته منه منعته ودَفعتُ عنه بأسه وأجرته من سطوته.
الثانية لإعلان التجرد من المال ونفي الطرد: {وَيَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا...}.
الثالثة لبيان الخوف من عقاب الله على الظلم: {وَيَا قَوْمِ مَن يَنصُرُنِي مِنَ اللَّهِ...}.
هذا التكرار يستثير حميتهم وعقولهم، ويشهد بشفقته البالغة على قومه وحرصه على إيقاظ ضمائرهم من غفلتها.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
استحالة النصرة والمجاملة في حقوق الله:
الآية تضع قاعدة عقلية قاطعة في ميزان الولاء والبراء: لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق؛ فإذا كان نوح عليه السلام بجلالة قدره ونبوته يعلن صراحة عجزه عن مواجهة سخط الله إن هو ظلم فقيراً مؤمناً، فكيف يجرؤ حاكم أو مسؤول أو داعية على التنازل عن المبادئ وظلم المستضعفين إرضاءً لضغوط الأقوياء؟! من ينصره من الله حين تنزل العقوبة؟! إن أحداً في الكون لا يملك دفع أمر الله.
الاستفهام الإنكاري بـ{مَن يَنصُرُنِي}: أسلوب يقطع كل ادعاء بالنصرة ويسكب الرهبة في القلوب؛ فالجواب البديهي الذي لا يملك الخصم غيره هو: "لا أحد ينصرك من الله".
تضمين {يَنصُرُنِي} معنى (يجيرني ويمنعني): دل عليه تعديته بحرف {مِنَ}؛ أي من يجيرني من بأس الله.
التذييل بـ{أَفَلَا تَذَكَّرُونَ}: توبيخ لبلادة عقولهم؛ فالقضية من الوضوح الفطري بحيث يكفي فيها أدنى تذكر وانتباه.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الهدايات والمسالك الإيمانية:
استشعار عظمة الله والخشية منه في كل تصرف وموقف؛ فالخوف من الله هو المعيار والميزان.
الحذر التام من ظلم المستضعفين والاعتداء على حقوقهم؛ فإن الله ناصرهم ومنتقم لهم.
الصدع بالحق والثبات على المبدأ، ورفض المساومات الجائرة التي تضر بأهل الإيمان.