الروايات المأثورة وسياق التقرير القدري والخذلان الإلهي:
يبين نوح عليه السلام حقيقة المشيئة الكونية وقدرة الله النافذة على القلوب؛ فحرص الداعية ونصحه وبلاغه - مهما عظم - لا يملك هداية عبد إذا سبقت عليه الشقاوة وقضى الله بإغوائه وخذلانه عدلاً منه بسبب استكباره وإصراره على الكفر.
روى ابن جرير الطبري (تفسير الطبري: 15/ 306)مصدر غير محدد١٥/٣٠٦ بسنده عن قتادة ومجاهد والضحاك وابن زيد: {وَلَا يَنفَعُكُمْ نُصْحِي}: أي لا يجديكم حرصي وتذكيري وتبليغي نفعاً، {إِنْ أَرَدتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ}: أي لو بذلت غاية جهدي وطاقتي في نصيحتكم، {إِن كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ}؛ أي يهلككم ويعذبكم ويضلكم عن الحق لسبق كفركم وعنادكم، {هُوَ رَبُّكُمْ}: المتصرف فيكم المالك لأمركم لا راد لقضائه، {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}؛ فيجازيكم على أعمالكم.
وأخرج ابن كثير (4/ 316)مصدر غير محدد٤/٣١٦ أن هذا من نوح عليه السلام إقرار تام بأن الهداية والإضلال بيد الله وحده؛ فمن أراد الله هدايته وفقه وشرح صدره، ومن أراد إضلاله وخذلانه خذله وصرف قلبه، ولا راد لمشيئته وهو الحكيم الخبير في كل ما يقضي.
أقوال أئمة التحقيق:
القرطبي(9/ 46)مصدر غير محدد٩/٤٦: بَيَّن أن الإغواء هنا يأتي بمعنى: الإضلال والخذلان في لغة العرب، وقيل: الإهلاك؛ يقال: غوى الفصيل إذا هلك؛ فإذا قضى الله بهلاكهم بسبب إصرارهم لم ينفعهم نصح نبي.
ابن تيمية(مجموع الفتاوى: 8/ 448)مجموع الفتاوىابن تيمية٨/٤٤٨: قرر مذهب أهل السنة والجماعة في الآية رداً على القدرية والمعتزلة؛ فالآية صريحة في أن الله هو مقلب القلوب، وأن مشيئته فوق كل إرادة؛ فلو أراد العبد أو النبي نصحاً والله لم يشأ هداية ذلك القلب لم ينفعه النصح، وهذا عدل من الله؛ لأن الله لا يغوي إلا من استحب العمى على الهدى.
السعدي(ص 382)مصدر غير محدد٣٨٢: قال: هذا إخبار بأن أسباب الهداية مشروطة بعدم المانع القاطع؛ فإذا أراد الله إغواء قوم لفساد قلوبهم وانغماسهم في العناد، بطلت الأسباب ولم ينفعهم نصح الناصحين.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
نُصْحِي
النصح إخلاص المشورة والحرص على إيصال الخير للمنصوح ودفع الشر عنه، وأصله في اللغة من نصح الثوب إذا خاطه وأصلح خروقه، أو من نصح العسل إذا صفاه من الشمع.
يُغْوِيَكُمْ
الإغواء الإضلال والخذلان وحرمان التوفيق، وأصله من الغي وهو خلاف الرشد والهلاك؛ وغوى ضل وهلك.
وَلَا
الواو استئنافية، لا نافية.
يَنفَعُكُمْ
فعل مضارع مرفوع بالضمة، والكاف مفعول به والميم للجمع.
نُصْحِي
فاعل مرفوع بالضمة المقدرة على ما قبل ياء المتكلم، والياء مضاف إليه.
إِنْ
حرف شرط جازم.
أَرَدتُّ
فعل ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء فاعل.
أَنْ
حرف مصدري ونصب.
أَنصَحَ
فعل مضارع منصوب بأن وعلامة نصبه الفتحة، والفاعل مستتر تقديره أنا، والمصدر المؤول في محل نصب مفعول به لـ{أَرَدتُّ}.
لَكُمْ
متعلقان بـ{أَنصَحَ}، وجواب الشرط محذوف دل عليه ما قبله (أي لا ينفعكم نصحي).
إِن
حرف شرط جازم ثانٍ.
كَانَ
فعل ماض ناقص مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط الثاني.
اللَّهُ
لفظ الجلالة اسم كان مرفوع بالضمة.
يُرِيدُ
فعل مضارع مرفوع، والفاعل مستتر تقديره هو، والجملة خبر كان.
أَن يُغْوِيَكُمْ
أن ناصبة ويغويكم مضارع منصوب بالفتحة والكاف مفعول به، والمصدر المؤول مفعول به لـ{يُرِيدُ}، وجواب الشرط الثاني محذوف، والشرط الثاني قيد للشرط الأول.
هُوَ
ضمير منفصل مبني في محل رفع مبتدأ.
رَبُّكُمْ
خبر المبتدأ مرفوع بالضمة والكاف مضاف إليه.
وَإِلَيْهِ
الواو عاطفة، إليه متعلقان بـ{تُرْجَعُونَ} مقدم لإفادة القصر.
تُرْجَعُونَ
فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع بثبوت النون والواو نائب فاعل، والجملة معطوفة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
النظم وتوالي الشروط القدري:
ركب الآية على شرطين متداخلين:
الشرط الأول (بشري): {إِنْ أَرَدتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ} (بذل الوسع في النصيحة).
وقدم جواب النفي {وَلَا يَنفَعُكُمْ نُصْحِي}؛ لبيان أن إرادة الله الكونية غالبة قاهرة لإرادة البشر؛ فإذا تقاطعت الإرادتان نفذ أمر الله وبطل نفع الوسائل.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة نسبة الإغواء إلى الله تعالى ودفعها:
كيف يصح أن يريد الله إغواء عباده ثم يعذبهم عليه؟
والجواب التحقيقي الحاسم لأهل السنة والعقل:
الإغواء هنا هو "الخذلان والعقوبة العادلة"؛ فالله تعالى دعاهم إلى الهدى وأقام عليهم البينات تسعمائة وخمسين سنة بنصح نوح ليلاً ونهاراً، فاستكبروا وأصروا على الكفر وطبعوا على قلوبهم، فعاقبهم الله بالإغواء والختم على القلوب جزاءً وفاقاً لزيغهم واختيارهم الضلال: {فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ}.
الإرادة هنا هي "الإرادة الكونية القدرية" المبنية على الحكمة والعدل وعلم الله بما تنطوي عليه سرائرهم؛ فالله لا يضل إلا الفاسقين المتمردين: {وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ}، ولا يظلم ربك أحداً.