الروايات المأثورة وسياق ضرب المثل الحاسم:
يضرب الله مثلاً حسياً ناصعاً يجسد فيه التباين الجوهري الساحق بين فريقي الوجود: فريق الكفر والضلال، وفريق الإيمان والهدى.
روى ابن جرير الطبري (تفسير الطبري: 15/ 278)مصدر غير محدد١٥/٢٧٨ بسنده عن قتادة ومجاهد والضحاك: {مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ}: فريق الكفار الذين تقدم وصفهم بأنهم صدوا عن سبيل الله واستكبروا {كَالْأَعْمَىٰ وَالْأَصَمِّ}؛ أعمى عن رؤية آيات الله ودلائل توحيده، أصم عن سماع الحق والموعظة النافعة؛ وفريق المؤمنين المصلين المخبتين {وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ}؛ بصير يبصر الحق بنور الله، سميع يصغي لكتاب الله ويعقله، {هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا}: أي لا يستويان حالاً ولا صفة ولا مآلاً، {أَفَلَا تَذَكَّرُونَ}: فتعتبروا وتفرقوا بين البصير والأعمى، وتختاروا لأنفسكم طريق النور على طريق الظلمات.
وأخرج ابن كثير (4/ 313)مصدر غير محدد٤/٣١٣ أن هذا المثل من أبلغ الأمثال القرآنية التي تصور واقع القلب الإنساني؛ فالكافر محروم من منافذ المعرفة الحقيقية؛ يعيش في عماية تامة وصمم روحي، بينما المؤمن حي القلب، متصل بنور الوحي، يسمع فينتفع ويبصر فيهتدي.
أقوال أئمة التحقيق:
القرطبي(9/ 37)مصدر غير محدد٩/٣٧: بَيَّن أن التمثيل هنا تمثيل تشبيهي مقلوب أو مفرق؛ مثل الكافر بالأعمى والأصم، ومثل المؤمن بالسميع والبصير، والاستفهام في {هَلْ يَسْتَوِيَانِ} للإنكار والنفي البين؛ أي لا يستويان أبداً عند كل ذي عقل سليم.
ابن القيم(الأمثال في القرآن: ص 42)مصدر غير محدد٤٢: أفاض في شرح هذا المثل البديع؛ موضحاً أن الله جعل السمع والبصر أصل المعرفة والإدراك؛ فالأعمى والأصم محروم من إدراك الأشياء ومعرفة المخاطر؛ فكيف يقاس بمن هو سميع بصير؟! فالمقابلة هنا تبرز قبح الكفر وعظمة الإيمان.
السعدي(ص 380)مصدر غير محدد٣٨٠: قال: هذا برهان حسي يقطع المنازعة؛ فالفرق بين المهتدي والضال كالفرق بين الصحيح المعافى في حواسه وبين الأعمى الأصم العاجز، فالعجب ممن يختار العماية والصمم على البصيرة والهدى!
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
الْفَرِيقَيْنِ
الفريق طائفة من الناس مفروقة ومتميزة عن غيرها، والمراد فريق الكفار وفريق المؤمنين المذكورين سابقاً.
مَثَلًا
المثل الصفة والحال والقصة التي لها شأن وعبرة.
تَذَكَّرُونَ
أصله تتذكرون، أدغمت التاء في الذال؛ والتذكر استحضار المعارف الفطرية والنظر في الدلائل والاتعاظ بها.
۞ مَثَلُ
مبتدأ مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة.
الْفَرِيقَيْنِ
مضاف إليه مجرور بالياء لأنه مثنى.
كَالْأَعْمَىٰ
الكاف اسم بمعنى مثل في محل رفع خبر المبتدأ، أو حرف جر والأعمى اسم مجرور بالكسرة المقدرة والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ.
وَالْأَصَمِّ
معطوف على الأعمى مجرور بالكسرة الظاهرة.
وَالْبَصِيرِ
معطوف مجرور.
وَالسَّمِيعِ
معطوف مجرور بالكسرة الظاهرة.
هَلْ
حرف استفهام متضمن معنى النفي الإنكاري مبني على السكون.
يَسْتَوِيَانِ
فعل مضارع مرفوع بثبوت النون وألف الاثنين فاعل.
مَثَلًا
تمييز منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة (أو حال).
أَفَلَا
الهمزة للاستفهام التوبيخي، الفاء عاطفة، لا نافية.
تَذَكَّرُونَ
فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
النظم والمقابلة الرباعية البديعة:
نظم المثل على طريقة "اللف والنشر المرتب أو المشوش":
الفريق الأول (الكافر): قابله بصفتي النقص {الْأَعْمَىٰ وَالْأَصَمِّ}.
الفريق الثاني (المؤمن): قابله بصفتي الكمال {وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ}.
ثنّى الضمير في {يَسْتَوِيَانِ} مع أن المذكور أربعة أوصاف؛ لأن المراد الجنسان أو الفريقان (جنس الأعمى الأصم، وجنس البصير السميع)؛ رداً للكلام إلى أصله وهو {مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
المحاكمة المنطقية لقضية المساواة:
تسقط الآية أوهام المادية التي تسوي بين المؤمن والكافر؛ فالعدالة تقتضي وضع الشيء في موضعه، فإذا كان الناس يفرقون بالبداهة العقلية بين إنسان أعمى أصم يتخبط في سيره ويقع في الحفر، وبين إنسان بصير سميع يبصر معالم الطريق ويسمع نداء السلامة، فكيف يسوون بين من عطل عقله وفطرته فعبد الجماد وكذب بالحق، وبين من استنارت بصيرته بالوحي فانقاد لرب العالمين؟! فالمساواة بينهما ظلم للعقل ومنافاة للعدل الإلهي: {أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ}.
تشبيه التمثيل المركب: نقل المعقول إلى المحسوس؛ لتجسيد بشاعة الكفر ونورانية الإيمان بصورة حسية لا يختلف عليها اثنان.
الاستفهام الإنكاري بـ{هَلْ يَسْتَوِيَانِ}: أبلغ في النفي من مجرد قول "لا يستويان"؛ لأنه يحول القضية إلى إقرار بديهي يُلزم الخصم بالاعتراف بالعجز.
التذييل بـ{أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} بتشديد الذال: للدلالة على قوة الحث على التذكر؛ فالمسألة لا تحتاج إلى فكر عميق بل إلى مجرد تذكر سطحي لبداهة الفرق بين العمى والبصر.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الهدايات والمسالك الإيمانية:
شكر نعمة الإيمان والبصيرة التي نجا بها العبد من عمى الضلال وصمم الغفلة.
استخدام الأمثال الحسية في التعليم والدعوة لتقريب المعاني وتثبيتها في النفوس.
اليقين بأن معيار الرفعة والكمال الحقيقي هو سلامة القلب والبصيرة بنور الوحي، لا سلامة الحواس المادية المجردة.