الروايات المأثورة وسياق المصير المحتوم:
يخبر الله تعالى عن العاقبة الكارثية لمن حصر همته في طلب الدنيا وزينتها؛ فليس له في الآخرة حظ ولا نصيب إلا عذاب النار، وبطلت كل أعماله ومساعيه مهما عظمت في أعين الناس.
روى ابن جرير الطبري (15/ 256)مصدر غير محدد١٥/٢٥٦ بسنده عن قتادة قال: {أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ}: لأنهم قدموا على غير إيمان ولا إخلاص، {وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا}: أي بطل واضمحل ثواب ما بنوا وعمروا وصنعوا في الدنيا؛ لأن العمل لا يثبت إلا بالإيمان، {وَبَاطِلٌ مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ}؛ لأن أساسه كان فاسداً قائماً على الشرك والرياء.
وأخرج ابن كثير (4/ 310)مصدر غير محدد٤/٣١٠ أن هذا نظير قوله تعالى في سورة الفرقان: {وَقَدِمْنَا إِلَىٰ مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا}، وقوله في سورة إبراهيم: {مَّثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ}.
أقوال أئمة التحقيق:
القرطبي(9/ 25)مصدر غير محدد٩/٢٥: قال: الحبوط في اللغة هو الفساد والهلاك والبطلان؛ وأصله من الحَبَط؛ وهو داء يصيب الدابة إذا أكلت من نبات سام فانتفخت بطنها وماتت، فكذلك أعمال الكفار تبدو حسنة منتفخة في الدنيا فتهلكهم في الآخرة.
ابن القيم(طريق الهجرتين: ص 164)طريق الهجرتين وباب السعادتينابن القيم١٦٤: أشار إلى أن الآية تبين أصلين: حبوط الأجر (بطلان الثواب)، وبطلان ذات العمل؛ فالعمل الشركي باطل في نفسه وحابط في أثره.
السعدي(ص 379)مصدر غير محدد٣٧٩: قال: هؤلاء خسروا الصفقة خسراناً مبيناً؛ أخذوا متاعاً قليلاً زائلاً، وعوضوا عنه بنار الجحيم الأبدية وحبوط الأعمال.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
حَبِطَ
بطل وفسد وسقط ثوابه، من الحَبَط وهو انتفاخ بطن الدابة من رعي فاسد حتى تهلك.
بَاطِلٌ
زائل ضائع لا حقيقة له ولا ثبات، وضد الحق.
أُولَٰئِكَ
اسم إشارة مبني في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد والكاف للخطاب.
الَّذِينَ
اسم موصول مبني في محل رفع خبر المبتدأ.
لَيْسَ
فعل ماض ناقص مبني على الفتح.
لَهُمْ
جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ليس مقدم.
فِي الْآخِرَةِ
متعلقان بمحذوف حال من النار أو بالخبر.
إِلَّا
أداة حصر واستثناء.
النَّارُ
اسم ليس مؤخر مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة، وجملة {لَيْسَ لَهُمْ...} صلة الموصول لا محل لها من الإعراب.
وَحَبِطَ
الواو عاطفة أو حالية، حبط فعل ماض مبني على الفتح.
مَا
اسم موصول مبني في محل رفع فاعل لـ{حَبِطَ}.
صَنَعُوا
فعل ماض مبني على الضم والواو فاعل، والجملة صلة الموصول والعائد محذوف تقديره صنعوه.
فِيهَا
متعلقان بـ{صَنَعُوا}، والضمير يعود على الدنيا.
وَبَاطِلٌ
الواو عاطفة، باطل خبر مقدم مرفوع بالضمة الظاهرة.
مَّا
اسم موصول مبني في محل رفع مبتدأ مؤخر.
كَانُوا
فعل ماض ناقص والواو اسمه.
يَعْمَلُونَ
فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، والجملة خبر كانوا، وجملة كان وصلتها صلة الموصول.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
النظم والمقابلة بين الدارين:
في الآية السابقة: أخذوا نصيبهم كاملاً في الدنيا {نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ}.
في هذه الآية: جاء الحرمان التام في الآخرة {لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ}.
الجمع بين الجملة الفعلية الماضية {وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا} والجملة الاسمية {وَبَاطِلٌ مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ}: لإفادة تحقق البطلان في الماضي، وثبوت صفة البطلان لعملهم كحكم دائم مستقر لا يتغير.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة: الجمع بين {حَبِطَ} و{بَاطِلٌ} وتوهم التكرار:
قد يظن ظان أن قوله {وَبَاطِلٌ مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} تكرار لقوله {وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا}!
والجواب البلاغي والتحقيقي الرصين: ليس في القرآن تكرار محض بغير فائدة زائدة:
{حَبِطَ مَا صَنَعُوا}: الحبوط يتعلق بالثواب؛ أي بطل ثواب أعمالهم فلم يجدوا له أجراً يوم القيامة.
{وَبَاطِلٌ مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ}: البطلان يتعلق بذات العمل في نفسه؛ أي أعمالهم التي ظنوها برّاً وقربة كانت باطلة فاسدة لأنها لم تؤسس على التوحيد والإيمان؛ فجمع بين بطلان الثواب وبطلان العمل ذاته ليتحقق الإفلاس التام.