الروايات المأثورة والتفسير المسند:
يخبر الحق تبارك وتعالى عن كمال ربوبيته وسعة رزقه وتكفله بأقوات جميع المخلوقات التي تدب على وجه الأرض، وإحاطة علمه التام بكل أحوالها وأماكنها وأطوار حياتها وموتها.
روى ابن جرير الطبري (15/ 223)مصدر غير محدد١٥/٢٢٣ بسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا}: قال: مستقرها: حيث تأوي إليه وتسكن فيه في الأرض، ومستودعها: الموضع الذي تدفن فيه وتموت فيه؛ وقيل: مستقرها في الرحم، ومستودعها في الصلب؛ وقيل: مستقرها في الدنيا، ومستودعها في القبر عند الموت. واللفظ يعم جميع هذه المعاني؛ فالله يعلم مستقر كل دابة ومستودعها في كل طور من أطوار وجودها.
وقوله: {كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ}: أي كل ذلك من أسماء الدواب، وأرزاقها، ومقادير أعمارها، وحركاتها وسكناتها، مكتوب مثبت في اللوح المحفوظ عند الله قبل خلق السماوات والأرض.
وأخرج ابن كثير (4/ 304)مصدر غير محدد٤/٣٠٤ حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما في صحيح مسلم (حديث: 2653) قال: قال رسول الله ﷺ: «كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء».
أقوال أئمة التحقيق:
القرطبي(9/ 8)مصدر غير محدد٩/٨: قال: قوله {عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا} إيجاب فضل وكرم وتكفل من الله تعالى لعباده، لا أن أحداً يوجب على الله شيئاً سبحانه؛ فإنه المالك المطلق، ولكنه أوجب ذلك على نفسه حقاً برحمته وإحسانه.
ابن القيم(طريق الهجرتين: ص 118)طريق الهجرتين وباب السعادتينابن القيم١١٨: استدل بالآية على أن الرزق مقسوم ومكفول، وأن العبد لا يموت حتى يستكمل رزقه وأجله؛ فالتوكل على الرزاق واجب، والهلع والجزع مذموم؛ لأن النملة في جحرها، والحوت في لجج بحره رزقه على الله.
السعدي(ص 377)مصدر غير محدد٣٧٧: بَيَّن أن الآية تضمنت أصلين عظيمين: عموم كفاية الله ورزقه لجميع الدواب (وهي كل ما يدب على الأرض من إنسان وحيوان وطير وهوام)، وعموم علمه وإحصائه لكل حركة وسكنة؛ فكيف يقلق المؤمن على رزقه مع هذا الضمان الإلهي المحكم؟!
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
دَابَّةٍ
الدابة في أصل اللغة كل ما يدب على الأرض؛ أي يمشي ويتحرك، والتاء فيها للوحدة والعموم.
مُسْتَقَرَّهَا
اسم مكان أو زمان من الاستقرار؛ وهو الثبوت والتمكن في المكان.
مُسْتَوْدَعَهَا
اسم مكان أو زمان من الاستيداع؛ وهو الحفظ في الموضع المؤقت حتى يرجع إلى مستقره.
كِتَابٍ مُّبِينٍ
هو اللوح المحفوظ، والمبين المظهر لكل شيء والواضح البين في ذاته.
۞ وَمَا
الواو استئنافية، ما نافية لا عمل لها.
مِن
حرف جر زائد لتأكيد استغراق النفي والشمول.
دَابَّةٍ
اسم مجرور لفظاً بـ(من) الزائدة، مرفوع محلاً على أنه مبتدأ.
فِي الْأَرْضِ
جار ومجرور متعلقان بمحذوف نعت لـ{دَابَّةٍ}.
إِلَّا
أداة حصر واستثناء ملغاة.
عَلَى اللَّهِ
جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ مقدم على المبتدأ الثاني أو خبر دابة.
رِزْقُهَا
مبتدأ ثانٍ مرفوع بالضمة، والهاء مضاف إليه، وجملة {عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا} في محل رفع خبر المبتدأ (دابة).
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
النظم والربط المعرفي:
لما قرر في الآية السابقة علمه بخفايا الصدور واستغشاء الثياب {أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ...}، وسّع هنا دائرة العلم لتشمل كل متحرك على ظهر البسيطة، وقرن العلم بالرزق والكفالة؛ ليعلم الإنسان أن الذي يدبر رزق دودة عمياء تحت صخرة صماء في ليلة ظلماء، لا يمكن أن يغفل عن الإنسان المكرم بالعقل والمستخلف في الأرض.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة التكفل بالرزق وموت بعض الخلائق جوعاً:
قد يعترض ملحد أو شاكٌّ: إذا كان الله تكفل برزق كل دابة {عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا}، فلماذا نرى مجاعات ويموت بعض الحيوانات والبشر جوعاً؟
والجواب التحقيقي الراسخ:
إن تكفل الله بالرزق يعني أنه خلق في الأرض من الموارد والأقوات ما يكفي سائر الخلائق ويزيد: {وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا}، ولكن حرمان الرزق عن بعض العباد له أسباب؛ منها ظلم البشر واحتكارهم وبغيهم ومنعهم للحقوق، ومنها سنن الله في الابتلاء وانتهاء الأجل؛ فإذا انقضى أجل العبد انقطع رزقه، فالموت بالجوع ليس لعجز في خزائن الله، بل لانتهاء الأجل المقدر في الكتاب المبين.
الرزق يشمل القوت الحسي والمعنوي، والموت غاية مكتوبة لكل دابة بأي سبب كان، ولو شاء الله لأطعمهم تسخيراً كما يطعم الجنين في بطن أمه، لكن جعل دار الدنيا دار ابتلاء وسعي بالأسباب.
الاستغراق التام بـ {مَا مِن دَابَّةٍ}: دخول "من" الاستغراقية على النكرة يفيد النص القطعي على الشمول؛ فلا تشذ دابة واحدة في جحر أو قاع بحر إلا وهي مشمولة بهذا العهد.
التعبير بحرف الوجوب والاستعلاء {عَلَى اللَّهِ}: لتأكيد تحقيق الوعد وإلزامه لذاته العلية كرماً وفضلاً ورحمة، لإلقاء السكينة التامة في روع المؤمن.
المقابلة بين {مُسْتَقَرَّهَا} و{مُسْتَوْدَعَهَا}: دلالة على الإحاطة المكانية والزمانية بالخلائق من مبدأ خلقها إلى منتهاها.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الهدايات والمسالك الإيمانية:
راحة القلب واليقين المطلق في طلب الرزق؛ فلا يذل المؤمن نفسه لمخلوق ولا يطلب الرزق بمعصية الله؛ فما قُدر لك سيأتيك.
السعي بالأسباب المشروعة مع كمال التوكل على مسبب الأسباب.
تعظيم علم الله ورقابته، واستشعار معيته ولطفه الذي يغمر كل كائن في هذا الوجود.