الروايات المأثورة والتفسير المسند:
تبين الآية الكريمة الغاية الكبرى والمقصد الأعظم الذي من أجله أُحكمت آيات القرآن وفُصلت؛ وهو إفراد الله تعالى بالعبادة والبراءة التامة من الشرك، مبيناً وظيفة الرسول ﷺ في الإنذار والبشارة.
روى ابن جرير الطبري (15/ 214)مصدر غير محدد١٥/٢١٤ بسنده عن قتادة ومجاهد: {أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ}: أي فُصلت آياته بأن وحدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئاً، وهذا هو أصل الدين وجوهر الرسالات كلها.
وقوله: {إِنَّنِي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ}: أي إنني من الله إليكم نذير أخوفكم عقابه وبأسه إن عصيتموه وكفرتم به، وبشير أبشركم برحمته وثوابه وجنته إن أطعتموه ووحدتموه.
وأخرج ابن كثير (4/ 301)مصدر غير محدد٤/٣٠١ أن القرآن كله يدور حول هذه الكلمة العظيمة: التوحيد الخالص؛ فالأمر بالعبادة لله وحده هو أصل كل تشريع ومحور كل قصة وبرهان في هذا الكتاب.
أقوال أئمة التحقيق:
القرطبي(9/ 4)مصدر غير محدد٩/٤: قال: موضع {أَلَّا تَعْبُدُوا} نصب بحذف حرف الجر؛ أي فُصلت لئلا تعبدوا إلا الله، أو بأن لا تعبدوا إلا الله، وأن مفسرة؛ لأن في تفصيل الآيات معنى القول والأمر.
ابن تيمية(مجموع الفتاوى: 14/ 382)مجموع الفتاوىابن تيمية١٤/٣٨٢: استدل بالآية على أن حقيقة الإسلام تقوم على الاستسلام لله وحده بالعبادة، ونفي الشرك، وأن الرسول مرسل بالإنذار والبشارة لبيان مقتضيات هذا التوحيد.
السعدي(ص 377)مصدر غير محدد٣٧٧: بَيَّن أن تقديم النذارة على البشارة في قوله {نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ} لمناسبة مقام دعوة المكذبين؛ فإن المقام يقتضي التخويف والزجر عن الشرك والظلم أولاً، ثم فتح باب الرجاء والبشارة لمن استجاب ووحد ثانياً.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
تَعْبُدُوا
العبادة في اللغة الخضوع والتذلل، وفي الشرع: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة.
نَذِيرٌ
النذير المخوّف المعلم بالشر ليُحذر، وهو فعيل بمعنى مفعِل من أنذر.
بَشِيرٌ
المخبر بالخبر السار المفرح، فعيل من بشر يبشر.
أَلَّا
أن مفسرة لا عمل لها لتضمن التفصيل معنى القول، أو مصدرية ناصبة؛ ولا نافية تعمل عمل الفعل أو ناهية، وتعبدوا فعل مضارع منصوب بأن (أو مجزوم بلا الناهية)، وعلامة نصبه حذف النون والواو فاعل.
تَعْبُدُوا
فعل مضارع والواو فاعل.
إِلَّا
أداة حصر واستثناء.
اللَّهَ
لفظ الجلالة مفعول به منصوب على التعظيم بالفتحة الظاهرة.
إِنَّنِي
إن حرف توكيد ونصب، والنون للوقاية، والياء ضمير متصل مبني في محل نصب اسم إن.
لَكُم
جار ومجرور متعلقان بـ{نَذِيرٌ}.
مِّنْهُ
جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من نذير؛ أي مرسلاً كائناً من لدن الله.
نَذِيرٌ
خبر إن مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة.
وَبَشِيرٌ
معطوف على {نَذِيرٌ} مرفوع بالضمة الظاهرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
النظم البياني وسر الحصر:
جاء التعبير بصيغة النفي والاستثناء {أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ}: وهي الصيغة المطابقة لـ "لا إله إلا الله"؛ لتقرير أن العبادة لا تقبل التبعيض ولا الشراكة؛ فكل عبادة صُرفت لغير الله باطلة وضلال.
تقديم النذير على البشير: لأن السياق موجه للمشركين المعاندين بمكة لردعهم عن غيهم وإرهابهم من عواقب الشرك.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
استحقاق الخالق للعبادة وبطلان الشرك عقلياً:
إن العقل الصريح يوجب أن تكون العبادة للخالق الرازق المنعم وحده؛ فالإنسان لم يخلق نفسه ولم يرزقها، والأصنام والمخلوقون لم يخلقوا شيئاً وهم يخلقون، فصرف العبادة للمخلوق العاجز ظلم فادح وسفه عقلي؛ فكانت دعوة القرآن {أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ} هي المقتضى الفطري والمنطقي التام لحقيقة الوجود.
صيغة القصر والحصر: بالنفي والاستثناء لتجريد التوحيد ونفي كل شائبة من شوائب الشرك.
تقديم المتعلق {لَكُم مِّنْهُ}: لبيان الشفقة والحرص على المخاطبين، ولبيان مصدر النذارة والبشارة وأنه ليس من عند نفسه بل بتكليف إلهي مطاع.
الجمع بين الوصفين {نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ}: لاستيعاب طبيعة النفس البشرية التي يقودها الخوف والرجاء معاً؛ فالنذارة تمنع من الهلاك والبشارة تحفز على العمل الصالح.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الهدايات والمسالك الإيمانية:
التوحيد هو نقطة البداية والنهاية في الخطاب الدعوي والتربوي.
توازن الداعية في خطابه بين الإنذار والتبشير، والترهيب والترغيب، دون إفراط يورث القنوط، ودون تفريط يورث الأمان من مكر الله.
تجريد المتابعة للرسول ﷺ؛ فهو الواسطة في البلاغ المبين والدال على مرضاة الله.