الروايات المأثورة وسياق التجرد والوفاء للمؤمنين:
يواصل نوح عليه السلام دحض شبهات الملأ، معلناً تجرده المطلق من الأطماع المادية والدنيوية، وحمايته التامة للأتباع المؤمنين الضعفاء رداً على طلب الملأ طردهم ليجالسوه.
روى ابن جرير الطبري (تفسير الطبري: 15/ 294)مصدر غير محدد١٥/٢٩٤ بسنده عن قتادة ومجاهد والضحاك: {وَيَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا}: أي لا أطلب منكم على إبلاغ الرسالة والنصيحة أجراً ولا جعلاً ولا مالاً تغرمونه، {إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ}: ثوابي وجزائي محصور على ربي الذي أرسلني.
وقوله: {وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا}: كان الملأ من قوم نوح قالوا له: اطرد هؤلاء الأراذل والفقراء عنك لنتبعك ونجالسك؛ كما قالت قريش لرسول الله ﷺ في شأن بلال وعمار وصهيب وخباب، فقال نوح: لست بطاردهم لإرضائكم؛ {إِنَّهُم مُّلَاقُو رَبِّهِمْ}؛ فيجازيهم على إيمانهم ويخاصمون من طردهم وظلمهم عند ربهم، {وَلَٰكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ}؛ تجهلون حقائق الإيمان وموازين الشرف والكرامة الإنسانية عند الله.
وأخرج ابن كثير (4/ 315)مصدر غير محدد٤/٣١٥ أن نوحاً عليه السلام حسم القضية الطبقية حسماً قاطعاً؛ فالمؤمنون هم أهل الكرامة والحرمة التي لا يجوز المساس بها، والله مطلع على سرائرهم وسيجازيهم برحمته.
أقوال أئمة التحقيق:
القرطبي(9/ 43)مصدر غير محدد٩/٤٣: بَيَّن أن الآية دليل على أن أنبياء الله ودعاته لا يأخذون على تبليغ الرسالة أجراً من الخلق؛ لتبقى الدعوة خالصة نقية بعيدة عن تهمة التكسب والتجارة بالدين.
ابن تيمية(مجموع الفتاوى: 14/ 408)مجموع الفتاوىابن تيمية١٤/٤٠٨: استشهد بالآية على حرمة طرد المؤمنين الصالحين الضعفاء أو إقصائهم استرضاءً للكبراء والوجهاء؛ وهو المبدأ الذي نزل فيه قوله تعالى لمحمد ﷺ: {وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ}.
السعدي(ص 381)مصدر غير محدد٣٨١: قال: رد نوح على طمعهم في طرد المؤمنين بأقوى حجة؛ فالمؤمن له حرمة الإيمان، وملاقاته لربه تقتضي تكريمه لا إهانته، فوصفهم بالجهل لمخالفتهم مقتضى العقل والشرع.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات والاشتقاق:
{بِطَارِدِ}: الطرد الإبعاد والنفي والتنحية عن المكان كرهاً وازدراءً.
{مُّلَاقُو}: جمع ملاقٍ، اسم فاعل من لاقى يلاقي ملاقاة؛ والملاقاة المقابلة والوصول إلى الجزاء والوقوف بين يدي الله.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
النظم والوفاء العقدي:
قدم نفي طلب المال {لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا}؛ لقطع الشبهة المادية وتبرئة مقصده من أي مصلحة دنيوية.
ثم أتبعه بحماية المؤمنين {وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا}؛ ليعلموا أن رسالته رسالة مبادئ لا مساومة فيها؛ فلن يبيع أتباعه المؤمنين بأموال الأرض ولا برضا كبراء الجاهلية.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
حرمة طرد الضعفاء وميزان الكرامة الإنسانية:
طلب الملأ طرد الضعفاء نابع من كبر طبقي يرى أن مجالسة الفقير تنقص من قدر الغني! فجاء الرد النبوي حاسماً: {إِنَّهُم مُّلَاقُو رَبِّهِمْ}؛ وهو برهان عقلي وأخلاقي باهر: هؤلاء المؤمنون قادمون على ربهم وسيجازيهم برحمته، فبأي حق أخلاقي أو شرعي أطردهم أنا من مجلسي في الدنيا وهم ضيوف الرحمن وأولياؤه في الآخرة؟! فالطرد جناية وظلم وجهل بأقدار الرجال عند الله.