الروايات المأثورة والتفسير المسند:
يقرر الله سبحانه حقيقة المعاد الحتمي لجميع الخلائق، وقدرته المطلقة على بعثهم وحسابهم ومجازاتهم، قاطعاً كل ريب في شأن البعث والنشور.
روى ابن جرير الطبري (15/ 217)مصدر غير محدد١٥/٢١٧ بسنده عن قتادة: {إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ}: أي مصيركم ومنقلبكم بعد موتكم يوم القيامة، لا إلى غيره، فيجازي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته، {وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}؛ لا يعجزه بعث الأجساد البالية، ولا إحصاء الأعمال الدقيقة، ولا معاقبة الكافرين وإثابة المؤمنين.
وأخرج ابن كثير (4/ 302)مصدر غير محدد٤/٣٠٢ أن هذه الآية تذييل مقرر ومؤكد للإنذار السابق بعذاب اليوم الكبير؛ فإذا كان المرجع محصوراً إلى الله القادر على كل شيء، علم كل مكلف أنه لا مهرب له ولا ملجأ من الله إلا إليه.
أقوال أئمة التحقيق:
القرطبي(9/ 6)مصدر غير محدد٩/٦: قال: تقديم الخبر {إِلَى اللَّهِ} يفيد الحصر؛ أي إليه لا إلى غيره مرجع الخلائق كلهم، وفيه تنبيه للمكذبين بأن سطوتهم وأموالهم زائلة، وأنهم صائرون إلى حكمه القاهر.
السعدي(ص 377)مصدر غير محدد٣٧٧: بَيَّن أن الجمع بين ذكر المرجع وعموم القدرة {وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} يبعث في قلب المؤمن كمال الرجاء والخشية؛ فإنه يرجع إلى رب قدير يجازي على القليل والكثير ولا يظلم مثقال ذرة.
الشنقيطي(أضواء البيان: 2/ 155)أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآنالشنقيطي٢/١٥٥: قرر أن كمال القدرة دليل قاطع على إمكان البعث؛ فالذي خلق السماوات والأرض قادر على إعادة الأجسام بعد موتها وتفرقها في التراب بسهولة تامة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
مَرْجِعُكُمْ
المرجع مصدر ميمي بمعنى الرجوع، أو اسم مكان وزمان للرجوع، والرجع في اللغة العود إلى الشيء بعد مفارقته.
قَدِيرٌ
صيغة مبالغة من القدرة؛ وهي الصفة الأزلية التي يتأتى بها إيجاد كل ممكن وإعدامه على وفق الإرادة.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
النظم وحسن التعقيب:
لما حذرهم في الآية السابقة من التولي بقوله: {وَإِن تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ}، قطع عليهم هنا كل طريق للتفلت؛ فبين أن التولي لا ينجي، والفرار مستحيل؛ لأن المرجع الحتمي هو إلى الله بالذات، وهو محيط بهم وقادر عليهم في كل آن.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
البرهان العقلي على البعث والجزاء:
الآية تتضمن دليلاً عقلياً قياسياً ناصعاً:
المقدمة الأولى: المرجع والمصير للملك القادر هو حقيقة وجودية بدهية؛ لأن العبث يتنزه عنه الحكيم.
المقدمة الثانية: الله موصوف بكمال القدرة التي لا يمتنع عليها ممكن {وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}.
النتيجة الحتمية: البعث والجزاء حق واقع لا ريب فيه؛ إذ المانع إما العجز أو الجهل، والله منزه عن العجز بالقدرة، وعن الجهل بالعلم المحيط؛ فبطلت كل شبهات منكري القيامة.