الروايات المأثورة والتفسير المسند:
يكمل السياق الإلهي رسم الشق الثاني من تشريح النفس البشرية البعيدة عن الإيمان؛ وهو حالها عند عودة النعمة بعد البلاء؛ حيث تطغى وتفخر وتغتر وتنسى فضل المنعم سبحانه.
روى ابن جرير الطبري (15/ 239)مصدر غير محدد١٥/٢٣٩ بسنده عن مجاهد وقتادة: {وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ}: النعماء: السعة والصحة والعافية بعد الضراء التي مسته من فقر وسقم وبلاء، {لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي}: أي انقطعت عني المكاره ولن تعود إليّ، اغتراراً بنفسه وجهلاً بتقلب الزمان؛ ولا يشكر الله الذي فرج كربه، {إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ}؛ فرح بطر أشر، فخور بالنعمة على عباد الله يستطيل بها عليهم استكباراً واستعلاءً.
وأخرج ابن كثير (4/ 307)مصدر غير محدد٤/٣٠٧ أن الفرح المذموم هنا هو فرح البطر والأشر والخيلاء؛ كقوله تعالى لقارون: {لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ}، والفخور هو الذي يفخر على الناس بما أوتي من مال وجاه دون أن ينسب الفضل إلى الله تعالى.
أقوال أئمة التحقيق:
القرطبي(9/ 17)مصدر غير محدد٩/١٧: بَيَّن أن قوله {ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي} يدل على أمنه من مكر الله وظنه أن العافية حق مكتسب له دائم، ونسيانه أن ما هو فيه استدراج وابتلاء.
ابن القيم(الفوائد: ص 134)الفوائدابن القيم١٣٤: فرق بين الفرح بالله وبرحمته وفضله الممدوح: {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا}، وبين الفرح بالنفس والنعمة المجردة مع نسيان المنعم والفخر على الخلق، وهو الفرح المذموم هنا.
السعدي(ص 378)مصدر غير محدد٣٧٨: قال: الكافر ضعيف النفس في كلتا الحالتين: في الضراء يائس كفور، وفي النعماء بطر فخور؛ فلا صبر له على الشدة ولا شكر له في الرخاء.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
نَعْمَاءَ
مؤنث أنعم، وهي النعمة الواسعة الظاهرة في المال والعافية.
صيغة مبالغة من الفخر؛ وهو المباهاة بالنعم وتعديد المحاسن استطالة على الناس.
وَلَئِنْ
الواو عاطفة، اللام موطئة للقسم، إن حرف شرط جازم.
أَذَقْنَاهُ
فعل ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، و(نا) فاعل، والهاء مفعول به أول.
نَعْمَاءَ
مفعول به ثان منصوب وعلامة نصبه الفتحة ومنع من الصرف لألف التأنيث الممدودة.
بَعْدَ
ظرف زمان منصوب متعلق بمحذوف حال من نعماء.
ضَرَّاءَ
مضاف إليه مجرور بالفتحة لمنعه من الصرف لألف التأنيث الممدودة.
مَسَّتْهُ
فعل ماض والتاء للتأنيث والفاعل مستتر تقديره هي، والهاء مفعول به، والجملة نعت لـ{ضَرَّاءَ}.
لَيَقُولَنَّ
اللام واقعة في جواب القسم، يقولن فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، والفاعل مستتر تقديره هو، وجملة جواب القسم سدت مسد جواب الشرط.
ذَهَبَ
فعل ماض مبني على الفتح.
السَّيِّئَاتُ
فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة.
عَنِّي
متعلقان بـ{ذَهَبَ}، وجملة {ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي} مقول القول في محل نصب.
إِنَّهُ
إن واسمها.
لَفَرِحٌ
اللام المزحلقة، فرح خبر إن أول مرفوع بالضمة.
فَخُورٌ
خبر إن ثانٍ مرفوع بالضمة الظاهرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
النظم والتقابل التام بين الآيتين:
رسمت الآيتان (9 و10) لوحة نفسية سلوكية متكاملة ومتقابلة:
الآية الأولى: نزع الرحمة بعد تذوقها -> يئوس كفور (في جانب الشدة).
الآية الثانية: إعطاء النعماء بعد الضراء -> فرح فخور (في جانب الرخاء).
هذا التقابل يعكس الخلل الجوهري في التوازن النفسي للإنسان الجاهل؛ فغياب الإيمان يجعله ريشة في مهب الريح تتلاعب بها نكبات الدهر ومسراته.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
حقيقة الفرح المذموم والفرح المشروع:
هل يُذم الإنسان على مجرد الفرح بالنعمة والسرور بزوال البلاء؟
والجواب التحقيقي: كلا؛ فإن الفرح الطبيعي الغريزي بنعمة الله وزوال المرض والشدة مشروع ولا حرج فيه، ولكن المذموم شرعاً وعقلاً هو "الفرح المقترن بالبطر والغرور والفخر" الذي يعمي القلب عن شكر الله، ويدفعه إلى الاستعلاء على خلق الله وازدرائهم؛ فالمؤمن يفرح برحمة الله وفضله فيتواضع وينفق ويشكر، والمغرور يفرح بالنعمة لذاتها فيطغى ويفخر.
التعبير بـ{مَسَّتْهُ} في جانب الضراء: للدلالة على خفة البلاء وقصره مقارنة بسعة نعم الله؛ ومع ذلك جزع منه.
قوله {ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي}: أضاف الذهاب إلى السيئات كأنها ذهبت بنفسها وبحيلته وتدبيره، ولم يقل: "أذهب الله عني السوء"؛ فأنكر يد الفضل الإلهي ونسب السلامة إلى الأسباب الظاهرة.
اقتران {فَرِحٌ} بـ{فَخُورٌ}: لأن الفرح الداخلي بالبطر يفيض على الجوارح فخراً واستعلاءً على الناس.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الهدايات والمسالك الإيمانية:
التوازن النفسي عند تبدل الأحوال؛ فلا يطير المؤمن فرحاً وبطراً في الرخاء، ولا يسقط يأساً وقنوطاً في البلاء.
دوام نسبة الفضل والنعم إلى الله تعالى بالقول والعمل والقلب.
الحذر من الفخر والخيلاء؛ فإن النعمة أمانة وابتلاء يسأل عنها العبد يوم القيامة.