الروايات المأثورة والتفسير المسند:
يخبر الله سبحانه عن عجز هؤلاء الصادين الكافرين، وأنهم في قبضة قهره وسلطانه في الدنيا، لا يفوتونه بالهرب ولا يعجزونه، وليس لهم ناصر يدفع عنهم بأسه، وأن عذابهم مضاعف في الآخرة لتعطيلهم حواس الهداية.
روى ابن جرير الطبري (15/ 271)مصدر غير محدد١٥/٢٧١ بسنده عن قتادة ومجاهد: {أُولَٰئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ}: أي لم يكونوا سابقين ولا فائتين لله بالهرب في أقطار الأرض، بل هم في قبضته ومشيئته متى شاء أخذهم، {وَمَا كَانَ لَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ}: يمنعونهم من عذاب الله إذا نزل بهم، {يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ}: في النار؛ عذاب على كفرهم، وعذاب على صدهم عن سبيل الله وإضلال غيرهم؛ كما قال تعالى: {الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ}.
وقوله: {مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ}: قال ابن عباس وقتادة: أي ثقل عليهم سماع الحق وبغضوا النظر إلى براهين الله كراهية ونفوراً؛ فصاروا كمن لا يستطيع السمع ولا الإبصار، وقيل: حُرموا التوفيق لما علم الله من إصرارهم على الباطل.
وأخرج ابن كثير (4/ 312)مصدر غير محدد٤/٣١٢ أن نفي الاستطاعة هنا ليس نفياً للحواس الجسدية، بل نفي للانتفاع الشرعي؛ لأن كراهيتهم الشديدة للحق صمت آذانهم وأعمت أبصارهم عن تدبر براهين الوحي.
أقوال أئمة التحقيق:
القرطبي(9/ 33)مصدر غير محدد٩/٣٣: بَيَّن أن مضاعدة العذاب جزاء وفاق لجمعهم بين الضلال في أنفسهم والإضلال لغيرهم، وأن نفي استطاعة السمع مجاز عن شدة النفرة والكراهية؛ كقولك للرجل تبغضه: لا أستطيع أن أسمع كلامك.
ابن تيمية(مجموع الفتاوى: 8/ 124)مجموع الفتاوىابن تيمية٨/١٢٤: قرر أن عدم الاستطاعة هنا عدم استطاعة شرعية ناشئة عن كراهية الإيمان واختيار الكفر؛ فالإنسان إذا امتلأ قلبه بغضاً للحق عجزت جوارحه عن الإصغاء إليه إرادياً.
السعدي(ص 380)مصدر غير محدد٣٨٠: قال: عطلوا قوى الإدراك التي أنعم الله بها عليهم، فصارت أسماعهم كأنها معدومة، وأبصارهم كأنها عمياء؛ لأنها لم تهدِهم إلى الحق، فاستحقوا مضاعفة النكال.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
مُعْجِزِينَ
جمع معجز، من أعجزه إذا فاته وسبقه حتى لا يقدر عليه، وأعجز القوم هرب منهم بحيث لم يدركوه.
أَوْلِيَاءَ
جمع ولي، وهو الناصر والمعين والمحب والقريب.
يُضَاعَفُ
التضعيف الزيادة ومقابلة الشيء بمثله وأكثر.
أُولَٰئِكَ
اسم إشارة مبني في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد والكاف للخطاب.
خبر يكون منصوب بالياء لأنه جمع مذكر سالم، وجملة {لَمْ يَكُونُوا...} في محل رفع خبر المبتدأ (أولئك).
فِي الْأَرْضِ
متعلقان بـ{مُعْجِزِينَ}.
وَمَا
الواو عاطفة، ما نافية تعمل عمل ليس أو مهملة.
كَانَ
فعل ماض ناقص.
لَهُم
جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر كان مقدم.
مِّن دُونِ
متعلقان بمحذوف حال من أولياء.
اللَّهِ
لفظ الجلالة مضاف إليه مجرور بالكسرة.
مِنْ
حرف جر زائد لتأكيد استغراق النفي.
أَوْلِيَاءَ
اسم مجرور لفظاً بـ(من) الزائدة، مرفوع محلاً على أنه اسم كان مؤخر.
يُضَاعَفُ
فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع بالضمة الظاهرة.
لَهُمُ
متعلقان بـ{يُضَاعَفُ}.
الْعَذَابُ
نائب فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة، والجملة مستأنفة أو في محل نصب حال.
مَا
نافية لا عمل لها.
كَانُوا
فعل ماض ناقص والواو اسمه.
يَسْتَطِيعُونَ
فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل والجملة خبر كانوا، وجملة كان واسمها وخبرها تعليل لمضاعفة العذاب.
السَّمْعَ
مفعول به منصوب بالفتحة الظاهرة.
وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ
معطوف على ما قبله.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
النظم وتصوير العجز الإنساني المطلق:
نفت الآية عنهم ملجأين:
القدرة الذاتية على الفرار والإعجاز {لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ}.
النصرة الخارجية من الأعوان والأنداد {وَمَا كَانَ لَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ}.
ثم رتب على انقطاع الحيلتين: مضاعفة العذاب، وبيان سببه وهو تعطيل الحواس ونفرتها المطلقة من الهدى.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة: كيف يعذبهم على شيء لا يستطيعونه {مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ}؟:
زعم الجبرية أن الآية تثبت أنهم عاجزون خلقة وجبراً عن السماع والإبصار!
والجواب التحقيقي الحاسم لأهل السنة والعقل:
الاستطاعة المنفية هنا هي "استطاعة القبول والانتفاع الرضائي" لا استطاعة الجوارح الحسية؛ بدليل أنهم كانوا يسمعون القرآن بآذانهم ويجادلون فيه، ولكن لما كان بغضهم للحق وكراهيتهم له بلغت الغاية، صاروا كمن لا يستطيع السماع؛ كما يقال للبخيل الشديد: "لا يستطيع أن ينفق درهماً"، أي يثقل عليه جداً لنقص إرادته لا لشلل في يده.
العجز الناشئ عن الهوى والبغض الاختياري لا يسقط التكليف ولا يعفي من العقاب، بل هو عين الجرم واستحقاق المقت؛ فالإنسان مسؤول عما كسبه قلبه من كراهية الحق وتفضيل الباطل عليه.
دخول "من" الزائدة في {مِنْ أَوْلِيَاءَ}: يفيد نفي الجنس المطلق؛ فلا ولي لهم من شريك أو صنم أو ملك أو رئيس يدفع عنهم قيد أنملة من عذاب الله.
بناء {يُضَاعَفُ} للمجهول: للتهويل والتركيز على شناعة العذاب الواقع بهم.
حذف متعلق السمع والإبصار في {السَّمْعَ... وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ}: لإفادة العموم؛ أي لا يستطيعون سماع أي حق ولا إبصار أي رشد؛ لأن الغشاوة استولت على كل مداركهم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الهدايات والمسالك الإيمانية:
الخوف من شؤم الإعراض عن الوحي؛ فإن العاصي إذا تمادى في كراهية الحق سُلب التوفيق وعجز عن الهداية عقوبة له.
شكر نعمتي السمع والبصر باستعمالهما في تدبر آيات الله المقروءة والكونية.
اليقين بأن الطغاة والمفسدين في قبضة الله وتحت سلطانه، مهما انتفخوا في الأرض، فما هم بمعجزين لله أبداً.