الروايات المأثورة وسياق براهين النبوة والشهادات الإلهية:
يقيم الله سبحانه موازنة عقلية حاسمة بين صاحب البصيرة النبوية المؤيد بالبراهين المتظاهرة، وبين التائه في ظلمات الشرك والدنيا، محذراً من الكفر بهذا الحق المبين.
روى ابن جرير الطبري (تفسير الطبري: 15/ 258)مصدر غير محدد١٥/٢٥٨ بسنده عن ابن عباس وعلي بن أبي طالب ومجاهد وقتادة في قوله: {أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ}: هو محمد ﷺ، والبينة: هي ما أتاه الله من الوحي والقرآن واليقين والبصيرة، وقيل: هو المؤمن على بصيرة ويقين من فطرته ودينه.
وقوله: {وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ}: روى الطبري عن ابن عباس ومجاهد: هو جبريل عليه السلام يتبع البينة بالوحي؛ وقيل: هو لسان محمد ﷺ وفصاحته؛ وقيل: هو القرآن نفسه يتبع المعجزات شاهداً بصدقه؛ وقيل: هو الشاهد الفطري أو علي بن أبي طالب في أثر ضعيف، والأصح عند أئمة التحقيق (الطبري، ابن كثير، ابن تيمية) أن الشاهد هو القرآن يصدق بعضه بعضاً، أو لسان النبي ﷺ المعجز، أو الإنجيل المصدق للتوراة والقرآن.
وقوله: {وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَىٰ إِمَامًا وَرَحْمَةً}: أي ومن قبل القرآن كتاب موسى (التوراة) شاهداً كذلك بصدق محمد ﷺ ومبشراً به وإماماً يقتدى به ورحمة من الله.
وقوله: {وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ}: الأحزاب: جميع ملل الكفر والشرك من قريش واليهود والنصارى وسائر أمم الأرض المكذبة؛ فمن بلغه القرآن وكفر به فموعده النار خالداً فيها.
وقد ثبت في صحيح مسلم (حديث: 153) عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله ﷺ أنه قال: «والذي نفس محمد بيده، لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به، إلا كان من أصحاب النار».
أقوال أئمة التحقيق:
القرطبي(9/ 26)مصدر غير محدد٩/٢٦: بَيَّن أن الاستفهام في {أَفَمَن كَانَ} للإنكار والتقرير؛ وجوابه محذوف تقديره: أفمن كان على بينة كمن يريد الحياة الدنيا وزينتها؟ لا يستوون أبداً.
ابن تيمية(مجموع الفتاوى: 14/ 392)مجموع الفتاوىابن تيمية١٤/٣٩٢: أوضح أن البينة والشاهد وكتاب موسى تمثل تكامل البراهين العقلية والنقلية والفطرية والتاريخية على صدق الرسالة، فمن كفر بعد هذا التطابق التام فليس له إلا النار.
السعدي(ص 379)مصدر غير محدد٣٧٩: قال: هذا برهان ساطع على صحة ما جاء به النبي ﷺ؛ بينة الوحي، وشاهد الفطرة والنظم المعجز، وشهادة الكتب السابقة، فلا يرتاب في هذا الحق إلا مغرور معاند.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بَيِّنَةٍ
الدلالة الواضحة الجلية المفصحة عن الحق، من البينونة؛ لأنها تميز الحق من الباطل وتفصل بينهما.
وَيَتْلُوهُ
التلو إما القراءة والمدارسة، وإما التَّبَع؛ أي يتبعه في الزمان أو الشهادة والتأييد.
مِرْيَةٍ
الشك والامتراء والتردد في قبول الحق.
أَفَمَن
الهمزة للاستفهام الإنكاري، الفاء عاطفة، من اسم موصول مبني في محل رفع مبتدأ، وخبره محذوف تقديره: كمن كان يريد الحياة الدنيا أو كمن هو أعمى.
كَانَ
فعل ماض ناقص واسمه مستتر تقديره هو.
عَلَىٰ بَيِّنَةٍ
جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر كان.
مِّن رَّبِّهِ
متعلقان بنعت لـ{بَيِّنَةٍ}، والهاء مضاف إليه.
وَيَتْلُوهُ
الواو عاطفة أو حالية، يتلو فعل مضارع مرفوع بالضمة المقدرة، والهاء مفعول به مقدم.
شَاهِدٌ
فاعل مؤخر مرفوع بالضمة الظاهرة.
مِّنْهُ
جار ومجرور متعلقان بمحذوف نعت لـ{شَاهِدٌ}.
وَمِن قَبْلِهِ
الواو عاطفة أو حالية، من قبله متعلقان بمحذوف خبر مقدم.
كِتَابُ
مبتدأ مؤخر مرفوع بالضمة الظاهرة.
مُوسَىٰ
مضاف إليه مجرور بالفتحة المقدرة للتعذر ومنع من الصرف للعلمية والعجمة.
إِمَامًا
حال منصوبة بالفتحة الظاهرة.
وَرَحْمَةً
معطوف منصوب.
أُولَٰئِكَ
مبتدأ.
يُؤْمِنُونَ
فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل والجملة خبر أولئك.
بِهِ
متعلقان بـ{يُؤْمِنُونَ}.
وَمَن
الواو عاطفة، من اسم شرط جازم مبتدأ.
يَكْفُرْ
فعل مضارع مجزوم فعل الشرط وعلامة جزمه السكون، والفاعل مستتر تقديره هو.
بِهِ
متعلقان بـ{يَكْفُرْ}.
مِنَ الْأَحْزَابِ
متعلقان بمحذوف حال من فاعل يكفر.
فَالنَّارُ
الفاء رابطة لجواب الشرط، النار مبتدأ مرفوع.
مَوْعِدُهُ
خبر المبتدأ مرفوع والهاء مضاف إليه، وجملة المبتدأ والخبر في محل جزم جواب الشرط.
فَلَا
الفاء فصيحة، لا ناهية جازمة.
تَكُ
فعل مضارع ناقص مجزوم بلا وعلامة جزمه السكون المقدر على النون المحذوفة للتخفيف، واسمه مستتر تقديره أنت.
فِي مِرْيَةٍ
جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر تك.
مِّنْهُ
متعلقان بـ{مِرْيَةٍ}.
إِنَّهُ
إن واسمها.
الْحَقُّ
خبر إن مرفوع بالضمة.
مِن رَّبِّكَ
متعلقان بمحذوف حال من الحق.
وَلَٰكِنَّ
الواو حالية، لكن حرف مشبه بالفعل للاستدراك.
أَكْثَرَ
اسم لكن منصوب.
النَّاسِ
مضاف إليه مجرور.
لَا يُؤْمِنُونَ
لا نافية، يؤمنون فعل مضارع وفاعل والجملة خبر لكن.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
النظم وتراكم الشهادات العظمى:
سياق الآية يجمع أربعة شهود متطابقين على صدق القرآن والنبوة:
بينة الوحي الداخلي واليقين الإلهي.
الشاهد النبوي/الملكي المصدق.
الشاهد التاريخي السابق المتمثل في كتاب موسى (التوراة).
الشاهد الفطري القائم في قلوب المؤمنين الذين استجابوا له.
ثم رتب على هذه الشهادات حكماً قاطعاً: {وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ}، ثم نهى عن أدنى درجات المرية {فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
حجية تطابق الرسالات السماوية:
الآية تحتج ببرهان التوافق النبوي؛ فرسول أمي لم يقرأ التوراة ولم يخالط الأحبار، يأتي بكتاب يصدق كتاب موسى ويؤيده في أصول العقيدة والشرائع، فلو كان مفترى لظهر التناقض والاختلاف: {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا}. فهذا التوافق شهادة عقلية وتاريخية قاطعة على وحدة المصدر وهو رب العالمين.