الروايات المأثورة وسياق البشارة للمنيبين:
على طريقة القرآن المعجزة في الجمع بين الترهيب والترغيب، وبعد أن استوفى بيان مصير الأشقياء الخاسرين، يثني ببيان جزاء السعداء الأبرار؛ الذين جمعوا بين الإيمان والعمل الصالح وخضوع القلب وخشوعه لربه ومولاه.
روى ابن جرير الطبري (تفسير الطبري: 15/ 276)مصدر غير محدد١٥/٢٧٦ بسنده عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والحسن البصري في قوله: {وَأَخْبَتُوا إِلَىٰ رَبِّهِمْ}: قالوا: خشعوا وخضعوا واطمأنت قلوبهم وأنابوا إلى ربهم، وأصل الإخبات في لغة العرب: الخشوع والتواضع والاطمئنان في انكسار وذل لله تعالى.
وعن قتادة قال: "الإخبات: الإنابة والخشية والخشوع لله".
وأخرج ابن كثير (4/ 313)مصدر غير محدد٤/٣١٣ أن الله تعالى لما ذكر مآل الأشقياء الخاسرين ذكر مآل السعداء المؤمنين الذين صدقت قلوبهم، وانقادت جوارحهم للأعمال الصالحة، وخشعت نفوسهم واستكانت لرب العالمين، فحكم لهم بأنهم أصحاب الجنة الخالدون في نعيمها المقيم.
أقوال أئمة التحقيق:
القرطبي(9/ 36)مصدر غير محدد٩/٣٦: قال: الخَبْت في اللغة: المكان المنخفض والمطمئن من الأرض، وأخبت الرجل: إذا نزل في الخبت، ثم استعمل في التواضع والخشوع؛ لأن المتواضع يضع نفسه في خفض واستكانة إجلالاً لله تعالى.
ابن القيم(مدارج السالكين: 2/ 8)مدارج السالكينابن القيم٢/٨: أفاض في بيان منزلة الإخبات، موضحاً أنها من أجلّ منازل السائرين إلى الله؛ وهي تجمع: الطمأنينة إلى الله، والانكسار بين يديه، والذل لعظمته، والتوكل عليه وحده بحيث لا يضطرب القلب مع الأقدار.
السعدي(ص 380)مصدر غير محدد٣٨٠: بَيَّن أن الإخبات روح الأعمال الصالحة؛ فالإيمان أصل، والعمل الصالح برهان، والإخبات هو المحرك القلبي الذي يورث الخشوع والإخلاص وتمام التوكل.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
أَخْبَتُوا
الإخبات الخشوع والانقياد والتواضع والطمأنينة؛ وأصله من الخَبْت؛ وهو المطمئن الواسع من الأرض.
خَالِدُونَ
الخلود المكث الدائم الأبدي الذي لا انقطاع له ولا زوال.
إِنَّ
حرف توكيد ونصب ينصب المبتدأ ويرفع الخبر.
الَّذِينَ
اسم موصول مبني في محل نصب اسم إن.
آمَنُوا
فعل ماض مبني على الضم والواو فاعل، والجملة صلة الموصول لا محل لها من الإعراب.
وَعَمِلُوا
معطوف على آمنوا، فعل وفاعل.
الصَّالِحَاتِ
مفعول به منصوب وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة لأنه جمع مؤنث سالم.
وَأَخْبَتُوا
معطوف على عملوا، فعل وفاعل.
إِلَىٰ رَبِّهِمْ
جار ومجرور متعلقان بـ{أَخْبَتُوا}، عُدّي بـ(إلى) لتضمينه معنى الإنابة والاطمئنان؛ أي أفضت قلوبهم منيبة مطمئنة إلى ربهم، وهم مضاف إليه.
أُولَٰئِكَ
اسم إشارة مبني في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد والكاف للخطاب.
أَصْحَابُ
خبر المبتدأ مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة، وجملة {أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ...} في محل رفع خبر إن.
الْجَنَّةِ
مضاف إليه مجرور وعلامة جره الكسرة الظاهرة.
هُمْ
ضمير منفصل مبني في محل رفع مبتدأ.
فِيهَا
متعلقان بالخبر {خَالِدُونَ}.
خَالِدُونَ
خبر المبتدأ مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم، والجملة الاسمية حالية أو مستأنفة لتأكيد الدوام.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
النظم والارتقاء في صفات الكمال الإيماني:
رتب صفات أهل النجاة ترتيباً تكاملياً بديعاً:
الأساس الباطن: الإيمان القلبي والتصديق الجازم {آمَنُوا}.
تخصيص وصف {أَخْبَتُوا}: للاحتراز من العبادات الخالية من الخشوع؛ فالإخبات هو الذي يعطي العمل ثقله في الميزان ويحفظه من الرياء والعجب.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
سر تضمين فعل الإخبات معنى الإنابة بحرف "إلى":
فعل الإخبات في الأصل يتعدى باللام فيقال: أخبت لربه (أي خضع له)، فلماذا عُدي هنا بـ{إِلَىٰ}؟
الجواب البلاغي التحقيقي: هذا من أسرار التضمين النظمي في القرآن المعجز؛ فقد ضُمّن الإخبات معنى "الإنابة والاطمئنان واللجوء"، فكأنه قال: خشعوا وأنابوا واطمأنوا صائرين بقلوبهم وأسرارهم إلى ربهم وحده دون سواه؛ فجمع اللفظ بين الخضوع والرجوع الدائم إلى الله.