الروايات المأثورة وسياق الالتفات المعجز:
جملة معترضة في ثنايا قصة نوح، أو التفات موجه إلى كفار قريش المعاصرين للنبي ﷺ الذين طعنوا في قصص القرآن وزعموا أن محمداً افتراه واختلقه من أساطير الأولين.
روى ابن جرير الطبري (تفسير الطبري: 15/ 308)مصدر غير محدد١٥/٣٠٨ بسنده عن قتادة ومجاهد والضحاك وابن عباس: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ}: هذا خطاب لمشركي مكة الذين قالوا لمحمد ﷺ: إنك افتريت هذا القرآن واختلقت نبأ نوح وقومه من نفسك، {قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي}: أي إن كنت اختلقته فوزر ذنبي وجرمي واقع عليّ وحدي ولا تؤاخذون به، {وَأَنَا بَرِيءٌ مِّمَّا تُجْرِمُونَ}؛ من تكذيبكم بالحق وبهتانكم وكفركم بربكم، فلن أحمل من أوزاركم شيئاً.
وقيل في وجه ثانٍ معتبر: إن الكلام حكاية لقول قوم نوح لنوح عليه السلام حين اتهموه بافتراء النبوة، والأول مذهب الجمهور (الطبري، ابن كثير، القرطبي)؛ لأنه اعتراض واقع موقعه للتنبيه على أن قصص نوح هو وحي معجز نزل على نبي أمي لم يعاين تلك العصور ولا قرأ كتبها.
أقوال أئمة التحقيق:
القرطبي(9/ 48)مصدر غير محدد٩/٤٨: بَيَّن أن الآية تفصل المسؤولية العقدية والأخلاقية؛ فكل نفس بما كسبت رهينة، ولا تزر وازرة وزر أخرى.
ابن تيمية(مجموع الفتاوى: 14/ 415)مجموع الفتاوىابن تيمية١٤/٤١٥: قرر أن التعبير بـ{إِجْرَامِي} فيه تنزل فرضي لبيان استحالة الافتراء؛ فلو كان افتراءً لكان إجراماً شنيعاً أعاقب عليه، فكيف يفتري العاقل الصادق الكذب على ربه؟! ثم تبرأ من إجرامهم الحقيقي وهو التكذيب.
السعدي(ص 382)مصدر غير محدد٣٨٢: قال: هذا برهان الإنصاف والمفاصلة؛ كل عامل محاسب على عمله، والافتراء إجرام تبرأ منه الرسول، وتكذيبهم إجرام تبرأ الرسول من تبعته.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
إِجْرَامِي
الإجرام مصدر أجرم؛ وهو ارتكاب الجرم والذنب العظيم وقطع الحق، وأصله من الجرم وهو القطع والصرم.
بَرِيءٌ
فعيل من البراءة؛ وهي الانفصال والمباينة والتنزه عن الشيء وقطع الصلة به.
أَمْ
حرف عطف وإضراب منقطع مبني على السكون بمعنى (بل) والهمزة الإنكارية.
يَقُولُونَ
فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل.
افْتَرَاهُ
فعل ماض مبني على الفتح المقدر والفاعل مستتر تقديره هو، والهاء مفعول به، والجملة مقول القول في محل نصب.
قُلْ
فعل أمر مبني على السكون، والفاعل مستتر تقديره أنت.
إِنِ
حرف شرط جازم وحركت النون بالكسر لالتقاء الساكنين.
افْتَرَيْتُهُ
فعل ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء فاعل والهاء مفعول به.
فَعَلَيَّ
الفاء رابطة لجواب الشرط وجوباً، على حرف جر والياء ضمير متصل مبني في محل جر متعلق بمحذوف خبر مقدم.
إِجْرَامِي
مبتدأ مؤخر مرفوع بالضمة المقدرة على ما قبل ياء المتكلم، والياء مضاف إليه، وجملة المبتدأ والخبر في محل جزم جواب الشرط، وجملة الشرط والجواب مقول القول لـ(قل).
وَأَنَا
الواو عاطفة أو حالية، أنا ضمير منفصل مبني في محل رفع مبتدأ.
بَرِيءٌ
خبر المبتدأ مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة.
مِّمَّا
من حرف جر، ما اسم موصول مبني في محل جر متعلقان بـ{بَرِيءٌ}.
تُجْرِمُونَ
فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، والجملة صلة الموصول لا محل لها من الإعراب والعائد محذوف تقديره (تجرمونه).
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
النظم وبراعة الاعتراض والالتفات:
توسط هذه الآية في سياق قصة نوح عليه السلام (قبل الشروع في بناء الفلك في الآية 36) التفات بديع يوقظ المخاطبين من مشركي مكة؛ فكأنه يقول: هذا النبأ العظيم المفصل لقصة نوح مع قومه أتقولون افتراه محمد؟! قل لهم يا محمد: إن افتريته فعليّ إجرامي وأنا بريء من كفركم وتكذيبكم؛ ليعود السامع إلى تدبر عظمة هذا الإعجاز التاريخي والغيبي الصادر من نبي أمي.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
قاعدة المسؤولية الفردية المنصفة:
تؤسس الآية لقانون العدالة والإنصاف في المناظرات؛ فلا تزر وازرة وزر أخرى؛ فالنبي ﷺ يضع القضية في ميزان العقل المجرد: إن كان هذا الوحي افتراءً وكذباً - وحاشاه - فإن ضرره ووزر جرمه يعود على المفترى وحده ولن تضروا منه شيئاً، ولكن إن كان حقاً وصدقاً من عند الله وأنتم تكذبون به، فإن إجرامكم ووبال تكذيبكم واقع عليكم وحدكم، وأنا بريء من تبعات كفركم؛ فالمجازفة بالتكذيب حمق وخسران لا مبرر له.
التعبير بـ{إِجْرَامِي} ثم المقابلة بـ{تُجْرِمُونَ}: دقة لغوية بالغة؛ حيث سمى الافتراء إجراماً لبيان شناعته الفرضية لو وقع، ثم أثبت صفة الإجرام الفعلية لهم بالفعل المضارع {تُجْرِمُونَ} الدال على تجدد جرمهم واستمراره في التكذيب.
تقديم الجار والمجرور {فَعَلَيَّ إِجْرَامِي}: لإفادة الحصر والاختصاص؛ أي عليّ وحدي لا عليكم.
إعلان البراءة الصريحة {وَأَنَا بَرِيءٌ}: لقطع كل علقة أو مداهنة بين أهل الإيمان وأهل الإجرام المكذبين.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الهدايات والمسالك الإيمانية:
الوضوح التام والمفاصلة الأخلاقية والعقدية بين الحق والباطل.
استشعار المسؤولية الفردية عن الأعمال؛ فكل إنسان سيحاسب بمفرده عن كسبه.
ثقة الداعية بطهارة منهجه وبراءته من كل تهمة يرميه بها أهل الباطل.