الروايات المأثورة والتفسير المسند:
يخبر سبحانه وتعالى عن بدو الخلق وعظم قدرته وسلطانه؛ حيث خلق هذا الكون المشهود بسماواته وأرضه في ستة أيام، وكان عرشه المجيد قبل خلقهما على الماء، وجعل الغاية من هذا الخلق العظيم ابتلاء المكلفين واختبارهم: أيهم أخلص عملاً وأصوبه.
روى البخاري في صحيحه (حديث: 3191) عن عمران بن حصين رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «كان الله ولم يكن شيء قبله، وكان عرشه على الماء، ثم خلق السماوات والأرض، وكتب في الذكر كل شيء».
وروى ابن جرير الطبري (تفسير الطبري: 15/ 227)مصدر غير محدد١٥/٢٢٧ بسنده عن قتادة ومجاهد في قوله: {وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ}: قالا: هذا بدء خلقه قبل أن يخلق السماوات والأرض، كان العرش مخلوقاً على الماء.
وعن الفضيل بن عياض رحمه الله في قوله تعالى: {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا}، قال: "أخلصه وأصوبه؛ فإن العمل إذا كان خالصاً ولم يكن صواباً لم يُقبل، وإذا كان صواباً ولم يكن خالصاً لم يُقبل، حتى يكون خالصاً صواباً؛ والخالص أن يكون لله، والصواب أن يكون على السنة".
وقوله: {وَلَئِن قُلْتَ إِنَّكُم مَّبْعُوثُونَ...}: يخبر تعالى عن عناد المشركين؛ فمع هذه البراهين العظيمة على كمال القدرة في ابتداء الخلق، يكذبون بالإعادة والبعث، ويزعمون وقاحة أن القرآن الذي يخبر بالبعث إن هو إلا سحر مبين باطل.
أقوال أئمة التحقيق:
القرطبي(الجامع لأحكام القرآن: 9/ 11)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي٩/١١: بين أن تخصيص الماء بالذكر مع العرش يدل على أن الماء والعرش كانا مبدأ المخلوقات في هذا العالم، وأن استواء العرش على الماء مظهر من مظاهر الجلال الإلهي الباهر.
ابن كثير(4/ 305)مصدر غير محدد٤/٣٠٥: قرر أن القادر على خلق السماوات والأرض وعرشه على الماء قادر من باب أولى على إعادة الأجساد بعد فنائها، ولكن المكذبين يعمون عن البداهة العقلية.
ابن تيمية(مجموع الفتاوى: 18/ 211)مجموع الفتاوىابن تيمية١٨/٢١١: استدل بالآية على أن الله خلق الخلق لحكمة وغاية عظيمة، وهي عبادته وابتلاؤهم بالأحسن عملاً، خلافاً للمجبرة والملاحدة النافين لحكمة الأفعال الإلهية.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات والاشتقاق:
{الْعَرْشُ}: في اللغة سرير الملك، وعرش الرحمن سرير ذو قوائم تحمله الملائكة، وهو أعظم المخلوقات وسقف الجنة وأعلاها.
{لِيَبْلُوَكُمْ}: البلوى والبلاء الاختبار والامتحان؛ لظهور ما في علم الله للعيان جزاءً وحساباً.
{أَحْسَنُ عَمَلًا}: أحسن اسم تفضيل، والحسن هنا كمال الإخلاص والموافقة للشرع، وعملاً تمييز.
التوجيه الإعرابي والقراءات:
{وَهُوَ}: الواو استئنافية، هو ضمير منفصل مبني في محل رفع مبتدأ.
{الَّذِي}: اسم موصول مبني في محل رفع خبر.
{خَلَقَ}: فعل ماض مبني على الفتح، والفاعل مستتر تقديره هو، والجملة صلة الموصول لا محل لها من الإعراب.
{السَّمَاوَاتِ}: مفعول به منصوب وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة لأنه جمع مؤنث سالم.
{وَالْأَرْضَ}: معطوف منصوب بالفتحة الظاهرة.
{فِي سِتَّةِ}: جار ومجرور متعلقان بـ{خَلَقَ}.
{أَيَّامٍ}: مضاف إليه مجرور بالكسرة.
{وَكَانَ}: الواو حالية، كان فعل ماض ناقص.
{عَرْشُهُ}: اسم كان مرفوع بالضمة والهاء مضاف إليه.
{لِيَبْلُوَكُمْ}: اللام لام التعليل حرف جر، يبلوكم فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد اللام وعلامة نصبه الفتحة، والفاعل مستتر تقديره هو والكاف مفعول به، والمصدر المؤول في محل جر باللام متعلق بـ{خَلَقَ}.
{أَيُّكُمْ}: أي اسم استفهام مبني على الضم في محل رفع مبتدأ، والكاف مضاف إليه، والميم للجمع.
{أَحْسَنُ}: خبر المبتدأ مرفوع بالضمة، والجملة الاسمية {أَيُّكُمْ أَحْسَنُ} علقت فعل البلوى عن العمل وسدت مسد مفعولي علم أو متعلق البلوى.
{وَلَئِن}: الواو عاطفة، اللام موطئة للقسم، إن حرف شرط جازم.
{قُلْتَ}: فعل ماض في محل جزم فعل الشرط والتاء فاعل.
{إِنَّكُم}: إن واسمها.
{مَّبْعُوثُونَ}: خبر إن مرفوع بالواو.
{مِن بَعْدِ}: متعلقان بـ{مَّبْعُوثُونَ}.
{الْمَوْتِ}: مضاف إليه مجرور.
{لَيَقُولَنَّ}: اللام واقعة في جواب القسم المقدر، يقولن فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة في محل رفع، وجملة جواب القسم سدت مسد جواب الشرط.
{الَّذِينَ}: اسم موصول مبني في محل رفع فاعل لـ{يَقُولَنَّ}.
قرأ حمزة والكسائي وخلف: {إِنْ هَٰذَا إِلَّا سَاحِرٌ مُّبِينٌ} على وصف النبي ﷺ أو المتكلم؛ أي ما هذا إلا رجل ساحر بيّن السحر.
وقرأ الباقون: {إِنْ هَٰذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ} على وصف القرآن أو القول بالبعث بأنه سحر وتمويه وخداع.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
النظم البياني والغاية الوجودية:
رتب الآية ترتيباً كونياً وغائياً معجزاً:
المبدأ القديم: استقرار العرش على الماء في أفق الجلال الإلهي.
التكوين المشهود: خلق السماوات والأرض في ستة أيام.
العلة الغائية: الابتلاء والامتحان للأحسن عملاً.
المعاد الحتمي: البعث بعد الموت للجزاء.
ثم عطف فوراً بموقف الكفار المتهافت لبيان التناقض الصارخ في عقولهم؛ حيث يقابلون عظمة هذا التقدير بكلمة واحدة تعبر عن العجز: {إِنْ هَٰذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة الخلق في ستة أيام مع كمال القدرة "كن فيكون":
قد يسأل متسائل: إذا كان الله قادراً على أن يخلق الكون في لمح البصر بكلمة "كن"، فلماذا خلقه في ستة أيام؟
والجواب التحقيقي الراسخ:
تعليم العباد التؤدة والحكمة وترتيب الأمور في نصابها بالتدريج والسنن المحكمة؛ ليتأسى الإنسان بذلك في تدبير شؤونه وحياته.
التعبير بـ{أَحْسَنُ عَمَلًا} ولم يقل "أكثر عملاً": لطيفة تدبرية جليلة؛ فالاعتبار عند الله ليس بالكم المجرد والكثرة العددية، بل بالكيف والجودة والصفاء؛ وهو الإخلاص والمتابعة للسنة.
توكيد قول الكفار باللام ونون التوكيد في {لَيَقُولَنَّ}: لبيان رسوخ التكذيب في نفوسهم ومبادرتهم إلى البهتان دون تردد.
المقابلة بين ابتداء الخلق وبين البعث: وهو قياس برهاني عقلي قطعي؛ فالإعادة أهون في القياس من الابتداء.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الهدايات والمسالك الإيمانية:
استشعار الغاية الوجودية للإنسان؛ فالحياة ليست عبثاً ولا نزهة، بل هي مضمار ابتلاء ومسابقة نحو إحسان العمل.
مراقبة جودة العبادة وروحها والحرص على إخلاصها لله واتباع هدي النبي ﷺ فيها.
الثبات أمام تشكيك المشككين في اليوم الآخر؛ واليقين التام باللقاء الإلهي العادل.