الروايات المأثورة وسياق انقطاع الحجة واستعجال العذاب:
لما عجز الملأ عن مقارعة حجج نوح العقلية ونفاذ براهينه الإيمانية وأفحمهم في كل شبهة، لجأوا إلى أسلوب العاجز المستكبر: الضجر من الحوار، وطلب استعجال العذاب والهلاك.
روى ابن جرير الطبري (تفسير الطبري: 15/ 303)مصدر غير محدد١٥/٣٠٣ بسنده عن قتادة ومجاهد والضحاك والسدي: {قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا}: أي خاصمتنا وخاطبتنا فأطلقت لسانك وأطلت محاجتنا في شأن التوحيد ونبذ الأوثان، وكررت علينا الدعوة دهراً طويلاً، وقد سئمنا هذا الجدال ولا نرجع عن ديننا وآلهتنا، {فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا}: من عذاب الاستئصال والهلاك الذي تخوفنا به وتكرره علينا، {إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ} في أنك رسول من الله وأن العذاب نازل بنا.
وأخرج ابن كثير (4/ 316)مصدر غير محدد٤/٣١٦ أن هذا القول صدر منهم على وجه التكذيب والتعجيز والاستهزاء؛ كقول مشركي مكة: {اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَٰذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ}؛ وهذا غاية السفه؛ فإن العاقل إذا خُوّف بعذاب سأل العافية وتثبت من الدليل، أما الجاهل المغرور فيستعجل هلاك نفسه.
أقوال أئمة التحقيق:
القرطبي(9/ 45)مصدر غير محدد٩/٤٥: بَيَّن أن قولهم {فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا} شهادة منهم على طول صبر نوح ومبالغته في إقامة الحجج وتنويع البراهين عليهم ليلاً ونهاراً حتى اعترفوا بكثرة جداله وإلحاحه في النصح.
ابن تيمية(مجموع الفتاوى: 4/ 189)مجموع الفتاوىابن تيمية٤/١٨٩: قرر أن الجدال المذموم هو جدال أهل الباطل ليدحضوا به الحق، أما جدال نوح فكان جدالاً ممدوحاً بالتي هي أحسن لإحقاق التوحيد؛ فلما ضاق به ذرع المشركين استعجلوا النقمة.
السعدي(ص 381)مصدر غير محدد٣٨١: قال: هذا إعلان للإفلاس الفكري والأخلاقي؛ فلما لم تبقَ لديهم شبهة صالحة، صرحوا بالملل والانقطاع وطالبوا بنزول العذاب، وهذا ديدن المكابرين في كل أمة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
جَادَلْتَنَا
الجدال في اللغة شدة المخاصمة ومقابلة الحجة بالحجة، وأصله من جدلت الحبل إذا أحكمت فَتْلَه، كأن كل متخاصم يفتل الآخر عن رأيه.
فَأَكْثَرْتَ
الإكثار المبالغة في الزيادة عدداً وزمناً.
قَالُوا
فعل ماض مبني على الضم والواو فاعل.
يَا نُوحُ
يا أداة نداء، نوح منادى مفرد علم مبني على الضم في محل نصب.
قَدْ
حرف تحقيق.
جَادَلْتَنَا
فعل ماض مبني على السكون لاتصاله بتاء الفاعل، والتاء فاعل، و(نا) ضمير متصل مبني في محل نصب مفعول به.
فَأَكْثَرْتَ
الفاء عاطفة تفيد التعقيب والسببية، أكثرت فعل ماض وفاعل.
جِدَالَنَا
مفعول به لـ{أَكْثَرْتَ} منصوب بالفتحة الظاهرة (أو مفعول مطلق منصوب)، و(نا) مضاف إليه.
فَأْتِنَا
الفاء الفصيحة، ائت فعل أمر مبني على حذف حرف العلة (الياء)، والفاعل مستتر تقديره أنت، و(نا) مفعول به.
بِمَا
جار ومجرور متعلقان بـ{ائْتِنَا}.
تَعِدُنَا
فعل مضارع مرفوع، والفاعل مستتر تقديره أنت، و(نا) مفعول به، والجملة صلة الموصول والعائد محذوف تقديره تعدنا به.
إِن
حرف شرط جازم.
كُنتَ
فعل ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء اسمه.
مِنَ الصَّادِقِينَ
جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر كنت، والصادقين مجرور بالياء لأنه جمع مذكر سالم، وجواب الشرط محذوف دل عليه ما قبله؛ أي: إن كنت من الصادقين فاحكم علينا بالعذاب وأنزله.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
النظم ونهاية مرحلة الإعذار:
الآية تمثل نقطة التحول الكبرى في قصة نوح؛ حيث بلغت مرحلة المحاجة والجدال بالتي هي أحسن غايتها القصوى باعتراف الخصوم أنفسهم {فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا}.
الانتقال من لغة الحوار إلى طلب العقاب الحسي {فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا}: إيذان بانغلاق قلوبهم نهائياً، واقتراب موعد استئصالهم بعد أن انقطعت كل معذرة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
سخافة استعجال العذاب والمحاكمة المنطقية:
طلب العذاب مغالطة انتحارية فادحة؛ فالمنهج العقلي الرشيد يقتضي من الإنسان إذا أنذره منذر بالخطر أن يبحث عن سبل السلامة أو يثبت براءة نفسه بالحجة، أما أن يقول له: "إن كنت صادقاً فأهلكني وأسقط السماء عليّ!"، فهذا سلوك السفيه المأزوم الذي فضحه العجز وأعمته الغطرسة؛ فبدلاً من أن يسأل ربه الهداية والرحمة، استعجل حتفه بيده.
النداء المجرد باسمه {يَا نُوحُ}: تجريد من ألقاب التكريم والرسالة، مما يعكس غلظة قلوبهم وجفاء طباعهم مع نبيهم الحليم.
الجمع بين الفعل والمصدر {جَادَلْتَنَا... جِدَالَنَا} مع وصف {فَأَكْثَرْتَ}: شهادة حق نطق بها الخصوم على سعة صبر نوح ودأبه في النصح؛ فالحق ما شهدت به الأعداء.
التعليق بالشرط {إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ}: أسلوب تحدٍّ يهدف إلى إحراج الداعية وتصويره بمظهر العاجز المهدد بما لا يملك.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الهدايات والمسالك الإيمانية:
صبر الداعية على طول أمد الجدال والمناظرة، واستنفاد جميع الحجج لقطع المعذرة.
إدراك أن أهل الباطل إذا أفلست حججهم لجأوا إلى الوقاحة والاستهزاء واستعجال العقاب.
الثبات ورباطة الجأش عند مواجهة تحديات المعاندين وتفويض النتيجة لله تعالى.