الروايات المأثورة والتفسير المسند:
يصف الله سبحانه حماقة الكفار واستهزاءهم بحلم الله وإمهاله؛ حيث يجعلون تأخير العذاب ذريعة للتشكيك في وقوعه والتهكم بقولهم: ما الذي يمنعه ويحبسه عنا؟!
روى ابن جرير الطبري (تفسير الطبري: 15/ 235)مصدر غير محدد١٥/٢٣٥ بسنده عن ابن عباس وقتادة ومجاهد: {إِلَىٰ أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ}: أي إلى أجل معدود ووقت معلوم، والأمة في كلام العرب تطلق على معانٍ؛ منها: المدة من الزمان؛ كقوله تعالى في سورة يوسف: {وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ}، أي بعد حين وزمن.
وقوله: {لَّيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ}: أي استهزاءً وتكذيباً؛ يقولون: أي شيء يمنع هذا العذاب الذي يتوعدنا به محمد إن كان صادقاً؟!
فرد الله عليهم بالوعيد الصادع: {أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ}: أي لا يقدر أحد على رده ولا دفعه عنهم، {وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ}؛ أي نزل بهم وأحاط بهم العذاب الذي سخروا منه، ونزل ذلك بهم يوم بدر، ثم يوم القيامة في عذاب الجحيم.
وأخرج ابن كثير (4/ 306)مصدر غير محدد٤/٣٠٦ أن استعجالهم للعذاب نابع من اغترارهم بسلامتهم في عاجل الوقت، وجهلهم بسنة الله في إمهال الظالمين حتى إذا أخذهم لم يفلتهم.
أقوال أئمة التحقيق:
القرطبي(9/ 14)مصدر غير محدد٩/١٤: قال: الأمة هنا الوقت والمدة بإجماع أهل اللغة؛ وسُميت المدة أمة لأنها تجمع حوادث متعددة كما تجمع الأمة من الناس أفراداً شتى.
السعدي(ص 378)مصدر غير محدد٣٧٨: بَيَّن أن الآية تفضح داء الغرور عند المكذبين؛ فالله يؤخر العذاب بحكمته ورحمته لعلهم يتوبون، فيقلبون نعمة الإمهال إلى سخرية واستهزاء، فإذا حل العذاب بغتة لم يكن لهم منه محيص.
الشنقيطي(أضواء البيان: 2/ 158)أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآنالشنقيطي٢/١٥٨: قرر أن قوله {أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ} ناطق بحتمية العقاب وانقطاع الرجاء عند نزوله، كقوله تعالى: {بَلْ تَأْتِيهِم بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا}.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
أُمَّةٍ
تطلق على الجماعة، والإمام، والدين، والمدة من الزمان، والمراد هنا المدة المحصورة المعدودة.
مَعْدُودَةٍ
اسم مفعول من العد، وكل معدود قليل قريب؛ لأن الشيء إذا كثر خرج عن الحصر العددي المألوف.
حَاقَ
نزل وأحاط ولزم، وأصله من حاق به الشيء إذا استدار به وأحاط به من جميع جهاته فلم يجد منه مهرباً.
وَلَئِنْ
الواو استئنافية، اللام موطئة للقسم، إن حرف شرط جازم.
أَخَّرْنَا
فعل ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، و(نا) فاعل.
عَنْهُمُ
متعلقان بـ{أَخَّرْنَا}.
الْعَذَابَ
مفعول به منصوب وعلامة نصبه الفتحة.
إِلَىٰ أُمَّةٍ
متعلقان بـ{أَخَّرْنَا}.
مَّعْدُودَةٍ
نعت لـ{أُمَّةٍ} مجرور بالكسرة.
لَّيَقُولُنَّ
اللام واقعة في جواب القسم، يقولن فعل مضارع مرفوع بثبوت النون المحذوفة لتوالي الأمثال، والواو المحذوفة لالتقاء الساكنين فاعل، والنون نون التوكيد الثقيلة، والجملة جواب القسم سدت مسد جواب الشرط.
مَا
اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ للاستهزاء.
يَحْبِسُهُ
فعل مضارع مرفوع والفاعل مستتر تقديره هو، والهاء مفعول به، والجملة خبر المبتدأ، وجملة {مَا يَحْبِسُهُ} مقول القول في محل نصب.
أَلَا
أداة استفتاح وتنبيه.
يَوْمَ
ظرف زمان منصوب متعلق بمحذوف خبر ليس مقدم، أو بـ{مَصْرُوفًا}.
يَأْتِيهِمْ
فعل مضارع مرفوع بالضمة المقدرة على الياء، والفاعل مستتر تقديره هو يعود على العذاب، وهم مفعول به، والجملة مضاف إليها لـ{يَوْمَ}.
لَيْسَ
فعل ماض ناقص واسمها ضمير مستتر تقديره هو يعود على العذاب.
مَصْرُوفًا
خبر ليس منصوب بالفتحة الظاهرة.
عَنْهُمْ
متعلقان بـ{مَصْرُوفًا}.
وَحَاقَ
الواو عاطفة، حاق فعل ماض مبني على الفتح.
بِهِم
متعلقان بـ{حَاقَ}.
مَا
اسم موصول مبني في محل رفع فاعل لـ{حَاقَ}.
كَانُوا
فعل ماض ناقص والواو اسمه.
بِهِ
متعلقان بـ{يَسْتَهْزِئُونَ}.
يَسْتَهْزِئُونَ
فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، والجملة خبر كانوا، وجملة كان وصلتها صلة الموصول.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
النظم والمقابلة المشهدية الرهيبة:
رسم القرآن مشهدين متناقضين:
المشهد الأول في زمن المهلة: استهزاء وتبجح وتساؤل ساخر {مَا يَحْبِسُهُ}.
المشهد الثاني في لحظة المباغتة: صدمة مطلقة وإحاطة خانقة وعذاب لا يدفع {أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ}.
التعبير بـ{حَاقَ} بالفعل الماضي مع أن الحدث مستقبلي: لتحقيق الوقوع وتأكيده؛ فما وعد الله به واقع لا محالة فكأنه قد حدث ومضى.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
مغالطة تأخير العقاب واستنتاج بطلانه:
يمارس أهل التكذيب مغالطة منطقية شهيرة: يربطون بين تأخر العقوبة وبين عدم وجودها أو كذب المنذر بها! والآية تفضح هذه السخافة العقلية؛ فالقاضي العادل أو الحاكم الحكيم يمهل الجاني ويحدد أجلاً لإنفاذ الحكم لحكم بالغة، فهل يعني تأخر تنفيذ الحكم بطلان المحكمة أو سلامة الجاني؟! إن وصف الأجل بـ{مَّعْدُودَةٍ} يقرر أن الزمن مهما طال فهو محدود وسريع الانقضاء، وأن الإمهال ليس إهمالاً.
وصف الأمة بـ{مَّعْدُودَةٍ}: تقليل وتزهيد في مدة بقائهم في الدنيا؛ فكل ما يعد وينقضي قليل في ميزان الأبدية.
تقديم الظرف {يَوْمَ يَأْتِيهِمْ} على جملة {لَيْسَ مَصْرُوفًا}: لتهويل ذلك اليوم وجعله بؤرة الانتباه، ولإشعارهم بأن اليوم نفسه يحمل صفة القهر.
التعبير بـ{حَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ}: جعل الاستهزاء نفسه كأنه العذاب الذي أطبق عليهم؛ لأن سخريتهم واستهزاءهم هي سبب هلاكهم، فالجزاء من جنس العمل.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الهدايات والمسالك الإيمانية:
الحذر من الاغترار بإمهال الله وستره؛ فكم من مستدرج بالنعم وهو لا يشعر.
الداعية لا يستعجل النتائج ولا يضيق ذرعاً بسخرية المبطلين؛ فالأجل معدود والوعد حق.
التربية على استحضار مباغتة الموت والآخرة، واستثمار أيام المهلة في التوبة والعمل الصالح.