الروايات المأثورة وسياق الجزاء الدنيوي:
يبين الله سبحانه سنة الجزاء العادل لمن انقطعت همته عند العاجلة؛ فكان عمله كله مقصوراً على طلب الدنيا وزينتها ومناصبها، دون إيمان بالآخرة ولا رجاء لثوابها.
روى ابن جرير الطبري (15/ 252)مصدر غير محدد١٥/٢٥٢ بسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نُوَفِّ إليهم ثواب أعمالهم بالصحة والسرور في المال والأهل والولد، وهم فيها لا يُبخسون؛ لا ينقصون شيئاً مما كتب لهم، حتى إذا أفضوا إلى الآخرة لم تكن لهم حسنة يُجزون بها؛ لأنهم عملوا للدنيا وأخذوا أجرهم فيها كاملاً".
وروى الطبري عن مجاهد وقتادة والضحاك: أن الآية عامة في الكفار الذين يعملون البر وصلة الأرحام وإطعام الطعام؛ يوفيهم الله ثواب ذلك في الدنيا رزقاً وعافية وذكراً، حتى يقدموا الآخرة مفلسين ليس لهم إلا النار؛ وقيل: هي عامة في أهل الرياء من هذه الأمة الذين يعملون الطاعات لطلب المحمدة والجاه والمال في الدنيا.
وأخرج مسلم في صحيحه (حديث: 2808) عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله لا يظلم مؤمناً حسنة؛ يُعطى بها في الدنيا ويُجزى بها في الآخرة، وأما الكافر فيُطعم بحسنات ما عمل بها لله في الدنيا، حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم تكن له حسنة يُجزى بها».
أقوال أئمة التحقيق:
القرطبي(9/ 23)مصدر غير محدد٩/٢٣: بَيَّن أن إيفاء العمل في الدنيا لمن أرادها مقيد بالمشيئة كما بينته سورة الإسراء: {مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَن نُّرِيدُ}، فلا يعطى كل مريد كل ما يطلبه، بل ما قضاه الله له.
ابن تيمية(مجموع الفتاوى: 18/ 254)مجموع الفتاوىابن تيمية١٨/٢٥٤: قرر أن العمل بغير نية صالحة لوجه الله وللدار الآخرة باطل وحابط في الميزان الأخروي، وإن كان يثاب عليه في الدنيا بصحة ومال.
السعدي(ص 379)مصدر غير محدد٣٧٩: قال: هذا فيمن كانت إرادته كلها متوجهة إلى الدنيا، ليس له هم وراءها؛ يوفيه الله جزاء عمله صحة ورزقاً ولا ينقصه من نصيبه الدنيوي شيئاً، ولكن حسابه في الآخرة عسير لخلو عمله من الإخلاص.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
نُوَفِّ
التوفية إعطاء الحق تاماً وافياً كاملاً بغير نقص.
لَا يُبْخَسُونَ
البخس النقص في الكيل أو الوزن أو الأجر أو الحق ظلماً وعدواناً.
مَن
اسم شرط جازم مبني في محل رفع مبتدأ.
كَانَ
فعل ماض ناقص مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، واسمها ضمير مستتر تقديره هو.
يُرِيدُ
فعل مضارع مرفوع، والفاعل مستتر تقديره هو، والجملة خبر كان.
جار ومجرور متعلقان بـ{نُوَفِّ}، وجمع الضمير حملاً على معنى (من)؛ لأن لفظها مفرد ومعناها جمع.
أَعْمَالَهُمْ
مفعول به منصوب وهم مضاف إليه (أي جزاء أعمالهم).
فِيهَا
متعلقان بـ{نُوَفِّ} أو بمحذوف حال، والضمير يعود على الدنيا.
وَهُمْ
الواو حالية، هم ضمير منفصل مبتدأ.
فِيهَا
متعلقان بـ{لَا يُبْخَسُونَ}.
لَا
نافية لا عمل لها.
يُبْخَسُونَ
فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع بثبوت النون والواو نائب فاعل، وجملة {لَا يُبْخَسُونَ} في محل رفع خبر المبتدأ (هم)، والجملة الاسمية حالية.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
النظم وعدالة المعاملة الربانية:
تكشف الآية عن عدالة الله المطلقة حتى مع الكفار والمرائين؛ فالله لا يظلم أحداً مثقال ذرة، فمن عمل عملاً دنيوياً أخذ أجره الدنيوي كاملاً موفراً {لَا يُبْخَسُونَ}، ولكنه لما لم يبتغِ وجه الله والدار الآخرة، لم يكن له حق في ثواب الآخرة المعد لمن آمن وأصلح.
الحمل على لفظ "من" بالإفراد في {كَانَ يُرِيدُ}، ثم الحمل على معناها بالجمع في {نُوَفِّ إِلَيْهِمْ}: أسلوب عربي فصيح يفيد شمول الحكم لكل فرد ينضوي تحت هذا الوصف.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة عدالة إحباط أعمال الكفار الأخيار في الدنيا:
يطرح البعض: إذا كان الكافر طبيباً ينقذ الأرواح أو مخترعاً ينفع البشرية، فلماذا لا يدخل الجنة؟
والجواب العقلي المحكم:
التعامل الإلهي مبني على القصد والنية: فالطبيب أو المخترع الكافر لم يكن يؤمن بالله ولا باليوم الآخر أصلاً، ولم يفعل ما فعل طمعاً في رضوان الله أو جنته، بل فعله للشهرة أو المال أو الإنسانية المجردة؛ فالله بعدله أوفاه كل ما قصده في دار عمله (الدنيا) فنال الجوائز والمال والثناء، ولم يُبخس من حقه شيئاً {نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ}.
دخول الجنة ليس حقاً مكتسباً بغير إيمان، بل هو دار كرامة لأولياء الله الذين وحدوه وأخلصوا له، فكيف يطلب ثواب دار لم يؤمن بها ولم يعمل لأجل ربها؟! فإعطاؤه أجر الدنيا هو منتهى العدل والقسط.