الروايات المأثورة وسياق الرد النبوي الحليم:
يقابل نوح عليه السلام جفاء قومه وغلظتهم بكمال الرفق والأدب والشفقة النبوية، مناظراً عقولهم بأسلوب منطقي رصين يبين براءة موقفه وحرية الإيمان.
روى ابن جرير الطبري (تفسير الطبري: 15/ 289)مصدر غير محدد١٥/٢٨٩ بسنده عن قتادة ومجاهد والربيع بن أنس: {قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي}: أي أخبروني إن كنت على يقين وبرهان واضح وبصيرة نافذة من ربي فيما أدعوكم إليه، {وَآتَانِي رَحْمَةً مِّنْ عِندِهِ}: وهي النبوة والرسالة والهدى، {فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ}: أي أُخفيت وجُهلت عنكم لعمى قلوبكم وجهلكم بها، {أَنُلْزِمُكُمُوهَا}: أي أنكرهكم عليها ونغصبكم على قبولها، {وَأَنتُمْ لَهَا كَارِهُونَ}؟ لا نقدر على ذلك ولا نملكه؛ فإن الإيمان طوع القلب ورضاه، وليس بالجبر والإكراه.
وأخرج ابن كثير (4/ 315)مصدر غير محدد٤/٣١٥ أن هذا من أعظم التلطف في الخطاب والمحاجة العقلية؛ ناداهم بـ{يَا قَوْمِ} تودداً، وعرض عليهم القضية عرضاً منصفاً: لو كان معي البرهان الإلهي وأنتم عميتم عنه فهل أستطيع أن أجبركم على الإيمان وأنتم كارهون؟!
أقوال أئمة التحقيق:
القرطبي(9/ 42)مصدر غير محدد٩/٤٢: بَيَّن أن المعنى: لا نستطيع أن ندخل الإيمان في قلوبكم كرهاً وأنتم تبغضونه؛ لأن الإيمان تصديق اختياري لا يتم مع الإكراه.
ابن تيمية(مجموع الفتاوى: 8/ 440)مجموع الفتاوىابن تيمية٨/٤٤٠: استدل بالآية على أن الهداية التوفيقية بيد الله وحده، وأن الرسل لا يملكون إلزام القلوب بالإيمان، وإنما وظيفتهم البلاغ المبين وإقامة البينة.
السعدي(ص 381)مصدر غير محدد٣٨١: قال: هذا خطاب غاية في الإنصاف واللطف؛ بين لهم أن دعوته مستندة إلى برهان قطعي (بينة)، ورحمة مهداة، فإن حالت كراهيتهم دون قبولها فلا حيلة للبشر في إكراههم.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات والاشتقاق:
{أَرَأَيْتُمْ}: الهمزة للاستفهام التقريري، ورأيتم هنا بمعنى أخبروني.
{بَيِّنَةٍ}: حجة واضحة قاطعة تبين الحق من الباطل.
{فَعُمِّيَتْ}: العَمَى ذهاب البصر، واستعمل هنا لذهاب بصيرة القلب وخفاء الحجة؛ يقال: عُمّي عليه الأمر إذا اشتَبَه والتبس فلم يتبينه.
{أَنُلْزِمُكُمُوهَا}: الإلزام الإيجاب والإكراه على الشيء، والكلمة من أطول كلمات القرآن لاشتمالها على الفعل والفاعل ومفعولين مع همزة الاستفهام.
التوجيه الإعرابي والقراءات:
{قَالَ}: فعل ماض مبني على الفتح، والفاعل مستتر تقديره هو.
{يَا قَوْمِ}: يا أداة نداء، قوم منادى مضاف منصوب بالفتحة المقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة للتخفيف، والكسرة دليل عليها.
{أَرَأَيْتُمْ}: الهمزة للاستفهام، رأيتم فعل ماض مبني على السكون والتاء فاعل والميم للجمع، والجملة مستأنفة لمعنى أخبروني.
{إِن}: حرف شرط جازم.
{كُنتُ}: فعل ماض ناقص في محل جزم فعل الشرط، والتاء اسمه.
{فَعُمِّيَتْ}: الفاء عاطفة تفيد السببية أو التعقيب، عميت فعل ماض مبني للمجهول (أو للمعلوم)، والتاء للتأنيث، ونائب الفاعل ضمير مستتر تقديره هي يعود على الرحمة أو البينة.
{عَلَيْكُمْ}: متعلقان بـ{عُمِّيَتْ}، وجواب الشرط محذوف تقديره: أتؤمنون؟ أو فماذا تصنعون؟ دل عليه الاستفهام بعده.
{أَنُلْزِمُكُمُوهَا}: الهمزة للاستفهام الإنكاري النفي، نلزم فعل مضارع مرفوع بالضمة، والفاعل مستتر تقديره نحن، والكاف ضمير متصل مبني في محل نصب مفعول به أول، والميم للجمع، والواو للإشباع، و(ها) ضمير متصل مبني في محل نصب مفعول به ثانٍ.
{وَأَنتُمْ}: الواو حالية، أنتم ضمير منفصل مبني في محل رفع مبتدأ.
{لَهَا}: متعلقان بـ{كَارِهُونَ}.
{كَارِهُونَ}: خبر المبتدأ مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم، والجملة الاسمية حالية.
القراءات المتواترة:
قرأ حمزة والكسائي وخلف وحفص عن عاصم: {فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ} بضم العين وتشديد الميم المكسورة مبنياً للمجهول؛ أي أُخفيت ولُبست عليكم لعمى قلوبكم.
وقرأ الباقون (نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وشعبة وأبو جعفر ويعقوب): {فَعَمِيَتْ عَلَيْكُمْ} بفتح العين وتخفيف الميم المكسورة مبنياً للمعلوم؛ أي عميت البينة عليكم فلم تدركوها.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
أدب المناظرة النبوية الرفيع:
قابل نوح صلفهم {بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ} بنداء التلطف {يَا قَوْمِ}، ولم يقابل الطعن بالشتيمة بل واجههم بالاحتمال العقلي المنصف {إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ}؛ ليروض نفوسهم الجامحة على قبول النظر الموضوعي في الدليل.
التعبير بـ{أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَهَا كَارِهُونَ}: يبرز أرقى مفاهيم حرية الضمير الديني في تاريخ البشرية؛ فالإيمان المبني على الإكراه لا قيمة له، والنبي لا يملك سوى البلاغ، فإن كرهوا فبينهم وبين الله حسابه.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع شبهة فرض الدين بالقوة:
تعد الآية أصلاً قرآنياً محكماً يسبق كل الإعلانات الحديثة؛ حيث تقرر أن الحق وإن كان ناصعاً ومؤيداً بالبينات والرحمة، لا يجوز ولا يمكن فرضه بالقهر والإلزام على النفوس الكارهة له؛ فالإيمان تصديق قلبي حر، والقهر لا ينتج إلا النفاق، فكان سؤال نوح الإنكاري {أَنُلْزِمُكُمُوهَا...} تأصيلاً لقاعدة: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ}.
بناء {عُمِّيَتْ} للمجهول: فيه لطف وتأدب في الخطاب؛ فلم يقل صراحة "فعميتم عنها" تعييراً لهم بالعمى، بل أسند الفعل إلى البينة كأنها هي التي استترت عنهم وخفيت.
جمع ثلاثة ضمائر متصلة في كلمة واحدة {أَنُلْزِمُكُمُوهَا} (فاعل ومفعولان): وهو من بدائع الإيجاز البلاغي العربي النادر.
وصف الوحي بـ{رَحْمَةً}: للتنبيه على أن الدين في جوهره رحمة للمهتدين لا عبء ولا نقمة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الهدايات والمسالك الإيمانية:
التحلي بالرفق والإنصاف ولين الجانب في مخاطبة المعاندين والمخالفين.
استصحاب الثقة بالبينة الإلهية؛ فالداعية ينطلق من يقين راسخ بصدق ما يحمله من وحي ربه.
احترام الإرادة البشرية ومسؤولية الاختيار؛ فلا يضيق صدر الداعية إذا رأى كراهية الناس للحق، بل يؤدي واجبه ويفوض الأمر لله.