تفسير الآثار في سعة رحمة الله ودعوته لأهل الكتاب للإسلام:
أخرج الطبري (ج ١٠، ص ٤٩٦-٥٠٠)مصدر غير محدد١٠/٤٩٦ وابن أبي حاتم وابن كثير عن ابن عباس ومجاهد والحسن: «بعد أن ذكر شنائعهم وتطاولهم على الله، فتح لهم باب التوبة والرحمة؛ فبين سبحانه أنه لو آمن أهل الكتاب بمحمد صلى الله عليه وسلم وبالقرآن، واتقوا الشرك والمعاصي وتحريف الكلم وأكل السحت؛ لكفّر عنهم ما سلف من جرائمهم وكفرهم وافترائهم، ولأدخلهم جنات النعيم خالدين فيها».
وروى البخاري (رقم ٩٧)مصدر غير محددحديث رقم ٩٧ ومسلم (رقم ١٥٤)مصدر غير محددحديث رقم ١٥٤ عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين: رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه ثم أدرك النبي صلى الله عليه وسلم فآمن به واتبعه وصدقه فله أجران...».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
وَلَوْ
حرف شرط غير جازم يفيد امتناع الجواب لامتناع الشرط في الماضي.
آمَنُوا
صدقوا بمحمد صلى الله عليه وسلم وما جاء به من الحق مع التوحيد الخالص.
وَاتَّقَوْا
اتقوا الشرك والمحرمات وتحريف الكتب وأكل السحت.
لَكَفَّرْنَا
محونا وسترنا وتجاوزنا عن خطاياهم السابقة، والتكفير الستر والتغطية.
جَنَّاتِ النَّعِيمِ
دار الخلود والرضوان المقيم.
وَلَوْ
الواو استئنافية، لو شرطية امتناعية.
أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ
أنّ حرف توكيد ونصب، أهل اسمها، والكتاب مضاف إليه.
آمَنُوا
ماضٍ والواو فاعل، والجملة في محل رفع خبر أنّ؛ والمصدر المؤول من أن واسمها وخبرها في محل رفع فاعل لفعل محذوف تقديره "ثبت"، وهو فعل الشرط للو.
وَاتَّقَوْا
معطوف على آمنوا.
لَكَفَّرْنَا
اللام واقعة في جواب لو، كفرنا ماضٍ وفاعله، والجملة لا محل لها جواب الشرط غير الجازم.
عَنْهُمْ
متعلق بكفرنا.
سَيِّئَاتِهِمْ
مفعول به منصوب بالكسرة لأنه جمع مؤنث سالم والهاء مضاف إليه.
وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ
معطوف على لكفرنا، والهاء مفعول به أول.
جَنَّاتِ النَّعِيمِ
مفعول به ثانٍ منصوب بالكسرة أو منصوب على نزع الخافض، والنعيم مضاف إليه.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
فتح باب التوبة بعد أشد آيات التقريع:
منهج رباني معجز في الدعوة والتربية؛ فمع بلوغ التنديد غايته ببيان مقالتهم الشنيعة {يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ} واستحقاقهم اللعن والمسخ، لم يغلق سبحانه باب الأمل في وجوههم، بل عرض عليهم التوبة الصادقة والإيمان؛ ليعلم كل جاحد أن عفو الله أوسع من ذنوب العباد إذا أقبلوا مخلصين تائبين.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تحقيق شرط الإيمان في حق أهل الكتاب بعد بعثة النبي صلى الله عليه وسلم:
يدفع الإشكال: قد يزعم زاعم أن أهل الكتاب يمكنهم دخول الجنة بمجرد بقائهم على دينهم المحرف دون اتباع محمد صلى الله عليه وسلم؛ والآية تدحض هذا الزعم بأبلغ بيان: فالإيمان المشروط هنا هو الإيمان بما أنزل على محمد؛ لأن القرآن ناسخ لما قبله؛ وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه مسلم (رقم ١٥٣)مصدر غير محددحديث رقم ١٥٣ عن أبي هريرة: «والذي نفس محمد بيده، لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به، إلا كان من أصحاب النار».
الترتيب في التخلية قبل التحلية: قدم تكفير السيئات {لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ} وهي التخلية، ثم ثنى بإدخال الجنات {وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ} وهي التحلية ونيل أعلى الدرجات.
إضافة الجنات إلى النعيم: إضافة بيانية تفيد أن النعيم يحيط بهم من كل وجه؛ نعيم الروح بالرضوان، ونعيم البدن بما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تجريد الدعوة إلى الله من الانتصار للنفس والتشفي، وإبقاء باب الرجاء والتوبة مفتوحاً لألد الأعداء.
اليقين بأن الإسلام يجبّ ما قبله، وأن التوبة النصوح تمحو أعظم الكبائر حتى الكفر والافتراء على الله.