تفسير الآثار في حجة وفد النجاشي على قومهم المعارضين:
أخرج الطبري (ج ١٠، ص ٦٢٦-٦٣٠)مصدر غير محدد١٠/٦٢٦ وابن أبي حاتم وابن كثير عن ابن عباس ومجاهد والضحاك وقتادة: «لما أسلم هؤلاء النصارى من أهل الحبشة، لامهم من بقي على النصرانية من قومهم وقالوا: لم صبوتهم وتركتم دين آبائكم؟ فقالوا مجيبين ومحتجين بالبرهان الساطع: {وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَن يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ}؛ أي: وأي مانع يمنعنا من الإيمان بالله وبالقرآن الذي صدع به محمد صلى الله عليه وسلم، وقد تبين لنا أنه الحق الذي لا مرية فيه، ونحن نرجو ونطمع أن يدخلنا الله برحمته الجنة مع أمة محمد والقوم الصالحين؟! فما عذرنا عند الله إن تركنا الحق إرضاءً لغيره؟!».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
وَمَا لَنَا
استفهام إنكاري بمعنى انتفاء أي مانع عقلي أو شرعي يصرفهم عن الإيمان.
وَنَطْمَعُ
الطمع هنا هو الرجا المستقر المعلق بفضل الله ورحمته مع الأخذ بأسباب النجاة.
الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ
أمة محمد صلى الله عليه وسلم والأنبياء وأهل الجنة.
وَمَا
الواو عاطفة، ما اسم استفهام مبتدأ مبني على السكون في محل رفع.
لَنَا
جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر ما.
لَا نُؤْمِنُ
لا نافية، نؤمن مضارع مرفوع وفاعله مستتر تقديره نحن، والجملة الفعلية في محل نصب حال من الضمير نا في لنا.
بِاللَّهِ
متعلق بنؤمن.
وَمَا جَاءَنَا
ما موصولة معطوفة، وجملة جاءنا صلة ونا مفعول به والفاعل مستتر.
مِنَ الْحَقِّ
بيان لما.
وَنَطْمَعُ
الواو حالية، نطمع مضارع مرفوع والفاعل مستتر والجملة حال من فاعل نؤمن (أي: كيف لا نؤمن وحالنا أنا نطمع في الفوز).
أَن يُدْخِلَنَا
أن مصدرية ناصبة، يدخلنا مضارع منصوب ونا مفعول به أول.
مع ظرف متعلق بيدخلنا أو بمحذوف مفعول ثانٍ، والقوم مضاف إليه.
الصَّالِحِينَ
نعت للقوم مجرور بالياء.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إعلان الشجاعة العقدية والمنطق الفطري في قبول التوحيد:
ارتقاء بديع في سياق مقالتهم؛ بعد أن أعلنوا إيمانهم بالله وتضرعوا في خفاء {رَبَّنَا آمَنَّا}، أعلنوا في هذا المقام حجتهم العقلية الساطعة في وجه كل لائم ومعارض؛ فبينوا أن الإيمان بالله وبكتابه ليس تهمة يعتذرون منها، بل هو مقتضى العقل الصريح والأمل الفطري في نيل الجنة ومعية الصالحين؛ فكان جوابهم إفحاماً لكل من لامهم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تحقيق الطمع المحمود والرجاء الشرعي في دخول الجنة:
تبرز الآية حقيقة عقدية وسلوكية: "الطمع في رحمة الله وفضله" ليس مذموماً، بل هو عين العبادة إذا قُرن بالإيمان الصادق والعمل الصالح؛ والمذموم إنما هو الأماني الباطلة المجردة من الإيمان والعمل كأماني اليهود {وَقَالُوا لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَىٰ ۗ تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ}؛ فلما آمن هؤلاء وقالوا {آمَنَّا} صح لهم أن يطمعوا في معية الصالحين بفضل الله.
الاستفهام الإنكاري في {وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ}: تجريد للنفس ومساءلة للذات تخرس كل شبهة؛ أي لا يوجد أي سبب معقول للتردد في قبول الحق الساطع.
التعبير بـ {مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ}: تواضع جم من هؤلاء العلماء والرهبان؛ فلم يطلبوا أن يكونوا سادة أو قادة، بل طمعوا فقط في أن يحشروا في زمرة الصالحين ويكونوا معهم في دار الكرامة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الاعتزاز بالإسلام وإظهاره بقوة دون خجل أو تردد أمام الأهل والعشيرة المخالفين.
الحرص على صحبة الصالحين في الدنيا، والرغبة الصادقة في مرافقتهم في جنات النعيم في الآخرة.