أخرج الطبري (ج ١٠، ص ٤٢٤-٤٣١)مصدر غير محدد١٠/٤٢٤ وابن أبي حاتم وابن كثير عن ابن عباس رضي الله عنهما: لما نزلت الآيات في النهي عن موالاة اليهود، تبرأ عبادة بن الصامت رضي الله عنه من حلف قينقاع، وتبرأ المسلمون، وقالوا: يا رسول الله، من نتولى إذا نهينا عن موالاة هؤلاء؟ فأنزل الله تعالى: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا...}، أي تولوا ربكم ورسولكم وإخوانكم المؤمنين المتمسكين بفرائض الإسلام.
إبطال أثر التصدق بالخاتم أثناء الركوع تحقيقاً وإسناداً:
روى بعض القصاص وأصحاب التفسير خبراً ينسب إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه كان يصلي راكعاً، فمر سائل فأعطاه خاتمه وهو راكع؛ فنزلت فيه الآية.
حكم أئمة الحديث ونقاد الأثر:
قال ابن كثير (ج ٣، ص ١٣٨)مصدر غير محدد٣/١٣٨: «هذا الحديث لا يصح بوجه من الوجوه لضعف أسانيده وجهالة رجاله».
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في "منهاج السنة النبوية" (ج ٧، ص ١١-١٧)منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة القدريةابن تيمية٧/١١: «هذا الحديث موضوع باتفاق أهل العلم بالحديث ونقلته؛ والآية نزلت عامة في جميع المؤمنين؛ وعلي رضي الله عنه أجلّ من أن يتصدق بخاتمه وهو في الصلاة؛ لأن الانشغال بالسائل والحركة وإعطاء الخاتم ينافي كمال الخشوع، والزكاة لم تكن تجب على عليّ في ذلك الوقت لقلة ماله، ولفظ الآية جمع: {وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ}، وحمل صيغة الجمع على المفرد بغير قرينة باطل لغة وشرعاً».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
إِنَّمَا
أداة حصر وقصر تفيد إثبات الحكم للمذكور ونفيه عما عداه؛ فحصرت الولاية المطلقة في الله ورسوله والمؤمنين.
وَلِيُّكُمُ
ناصركم وحليفكم ومعينكم ومحبكم.
وَهُمْ رَاكِعُونَ
الراكعون هنا إما: الخاشعون المتواضعون الخاضعون لله تعالى؛ أو الراكعون في صلواتهم، وحالهم الدائم الخضوع والركوع؛ فـ "الواو" إما حالية من فاعل يؤتون الزكاة (أي يؤتونها وهم في حال خضوع وخشوع لا مَنٍّ ولا رياء)، أو واو العطف عطفاً على جملة الصلة مع حذف المبتدأ، أي: وهم أهل ركوع وخضوع وسجود.
معطوف على لفظ الجلالة مرفوع بالضمة والهاء مضاف إليه.
وَالَّذِينَ آمَنُوا
اسم موصول معطوف في محل رفع، وجملة آمنوا صلة الموصول لا محل لها.
الَّذِينَ يُقِيمُونَ
اسم موصول نعت للمؤمنين أو بدل، ويقيمون مضارع مرفوع بثبوت النون والصلاة مفعول به.
وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ
معطوف على يقيمون، والزكاة مفعول به.
وَهُمْ رَاكِعُونَ
الواو حالية، هم ضمير منفصل مبتدأ، راكعون خبر المبتدأ مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم، والجملة الاسمية في محل نصب حال من فاعل يقيمون ويؤتون، أو حال من فاعل يؤتون الزكاة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إحكام دائرة الولاء في المجتمع الإسلامي:
تناسق تشريعي وإيماني بديع؛ فبعد أن هدم في الآيات السابقة ولاية الكفر والشرك والنفاق وقطع أسبابها، أقام في هذه الآية البديل الرباني الأوحد وهو "حلف الإيمان والولاية الشرعية"؛ فحددت الآية دائرة الانتماء للمسلم: الله تعالى هو الولي المطلق، ورسوله صلى الله عليه وسلم مبلغه وأمره، وعباد الله المؤمنون المقيمون للفرائض؛ فلا تشتت ولا ضياع في الولاءات.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دحض شبهة حصر الولاية الإمامية في شخص بعينه:
يدفع الإشكال: استدل الشيعة الإمامية بهذه الآية على إمامة علي رضي الله عنه وعصمته بزعم قصة التصدق بالخاتم وهو راكع؛ وبطلان هذا الاستدلال ظاهر من وجوه عقلية ولغوية وشرعية قاطعة:
سياق السورة: السورة مدنية تتحدث عن موالاة المؤمنين وبراءتهم من اليهود والنصارى والمنافقين؛ ولم يكن الحديث عن ولاية الحكم والإمامة السياسية، بل عن النصرة والمودة والتحالف الإيماني.
بطلان الرواية إسناداً: كما أسلفنا عن جهابذة الحديث؛ فالحديث موضوع منكر لا أصل له.
الدلالة اللغوية: لفظ {وَالَّذِينَ آمَنُوا} و{يُقِيمُونَ} و{يُؤْتُونَ} و{رَاكِعُونَ} جاء بصيغة الجمع المستغرق لجميع المؤمنين الموصوفين بهذه الصفات؛ وتخصيص الجمع بفرد واحد دون دليل قطعي تحكم باطل.
المعنى الفقهي لـ {وَهُمْ رَاكِعُونَ}: الركوع في لسان العرب والقرآن يطلق على الخضوع والخشوع، كقوله تعالى: {وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ}، أي اخضعي لله؛ أو المراد: وهم يؤتون الزكاة متصفين بالصلاة والركوع، دلالة على جمعهم بين أركان الدين.
أسلوب الحصر قطَع كل محاولة لابتغاء نصرة خارج نطاق التوحيد والإيمان؛ وقوله {وَلِيُّكُمُ} بالإفراد مع عطف الرسول والمؤمنين إشارة لطيفة إلى أن ولاية الرسول والمؤمنين نابعة وتابعة لولاية الله عز وجل، فالولي الحقيقي هو الله، وولاية من سواه إنما هي بالتبعية لأمره وطاعته.
التعبير بالوصف المشعر بالعلية: {يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ} تعليق للولاية بهذه الأوصاف الجليلة؛ فالولاء لا يُمنح لمجرد دعوى الإيمان، بل لمن حقق حق الله في الصلاة، وحق الخلق في الزكاة، مع كمال الخضوع والخشوع {وَهُمْ رَاكِعُونَ}.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
توثيق عرى الأخوة الإيمانية، والشعور بالانتماء الكامل لجسد الأمة الواحدة المقيمة لشرع ربها.
الحذر من التحالفات التي تفرق كلمة المؤمنين أو تجعل للمنافقين وأهل الكتاب يداً وسلطاناً عليهم.