أخرج الطبري (ج ١٠، ص ٨٦٦-٨٧٥)مصدر غير محدد١٠/٨٦٦ وابن أبي حاتم وعبد الرزاق عن الشعبي والزهري ومجاهد: جاء حارثة بن بدر التميمي -وكان قد حارب وأفسد وأخاف السبيل وسفك الدماء- فتاب وألقى سلاحه وجاء تائباً إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه قبل أن يُظفر به، فقبل عليّ توبته وأمّنه ولم يقم عليه حد الحرابة استدلالاً بهذه الآية الكريمة: {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ}.
وأجمع الفقهاء على أن المحارب إذا وضع سلاحه وجاء تائباً طواعية قبل أن تقدر عليه الدولة والقضاء، سقطت عنه حدود الله العامة (الصلب والقطع والنفي)، وبقيت حقوق الآدميين من الدماء والأموال معلقة على عفو أصحابها أو المطالبة بها أمام القضاء.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ
الظفر بهم وإلقاء القبض عليهم والتمكن من محاكمتهم.
فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
كناية عن إسقاط الحد وتجاوز العقوبة رحمة بهم وتشجيعاً لهم على إلقاء السلاح والرجوع إلى الصف الوطني والجماعة المسلمة.
إِلَّا
أداة استثناء.
الَّذِينَ
اسم موصول مبني في محل نصب على الاستثناء المتصل من الضمير في "يحاربون" أو من المستحقين للجزاء.
تَابُوا
جملة الصلة لا محل لها.
مِن قَبْلِ
متعلق بتابوا.
أَن تَقْدِرُوا
أن وما في حيزها في تأويل مصدر مضاف إليه لقبل، والواو فاعل.
عَلَيْهِمْ
متعلق بتقدروا.
فَاعْلَمُوا
الفاء رابطة لجواب الاستثناء أو فصيحة، اعلموا فعل أمر وفاعله.
أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
أن واسمها وخبراها، وسدت مسد مفعولي اعلموا.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
فتح باب التوبة وتفكيك عصابات الإجرام بالرحمة:
استدراك تشريعي باهر في غاية الحكمة والكياسة السياسية والجنائية؛ فبعد أن أعلن العقوبات القاصمة في الآية السابقة والتي قد تدفع المحاربين إلى الاستماتة في القتال ومواصلة الفساد لليأس من النجاة؛ فتح الله لهم هذا الباب الرحيم، ووعدهم بإسقاط الحدود عنهم إن هم سارعوا إلى التوبة وإلقاء السلاح قبل أن يُقبض عليهم؛ لتفكيك خلايا الفساد وتشجيع العصاة على العودة إلى رشدهم وحقن دماء المسلمين.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة: هل تسقط التوبة حقوق الآدميين في الدماء والأموال؟:
يدفع الإشكال: حرر فقهاء الأمة -كالجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة- التفرقة الإعجازية بين حقين:
حقوق الله العامة (حد الحرابة، والصلب، والقطع): تسقط بالكلية تكرماً من الله بنص الآية {فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}.
حقوق العباد والآدميين (الأموال المسلوبة والقصاص في القتلى): لا تسقط بمجرد التوبة، بل تبقى لورثة المقتول ولأصحاب الأموال حق المطالبة بها؛ فإن عفوا فبها ونعمت، وإن طلبوا القصاص أو استرداد أموالهم أُجيبوا إلى ذلك؛ صيانةً للعدل المطلق ومنعاً لإهدار حقوق الضحايا.
البلاغة التشريعية في التذييل {فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}: لم يقل "فلا تعاقبوهم" أو "فأسقطوا الحد عنهم"، بل عبّر بالمغفرة والرحمة الإلهية؛ إشارة إلى أن إسقاط الحد عنهم ليس عفواً مجرداً من القاضي، بل هو تشريع صادر عن مغفرة الله وسعة رحمته التي تسع التائبين وتتفضل عليهم بالصفح.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
فتح أبواب الرجاء والتوبة أمام أعتى المجرمين والمفسدين، وتغليب جانب الرحمة والإصلاح متى ما لاحت بوادر الصدق والرجوع.
الحكمة والذكاء في معالجة الأزمات الأمنية والسياسية بفتح ممرات آمنة لمن يلقي السلاح ويعود إلى جادة الحق والقانون.