تفسير الآثار في ظهور الخيانة ورد اليمين على أولياء الميت:
أخرج البخاري والترمذي وأبو داود وابن جرير في تمام قصة تميم وعدي: «فلما حلفا وأخذا المال وخلي سبيلهما، وُجد الإناء الفضي بمكة عند تجار، فقالوا: اشتريناه من تميم وعدي؛ فلما ظهرت الخيانة وعُثر على كذبهما، دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلين من أولياء بديل بن أبي مريم (وهما عمرو بن العاص والمطلب بن أبي وداعة السهميان)، فحلفا بالله عند المنبر: لشهادتنا وأيماننا أحق من شهادتهما وأيمانهما، وإن الإناء لصاحبنا وما اعتدينا؛ فانتزع رسول الله صلى الله عليه وسلم الإناء من ورثة المشتري ورده إلى أولياء بديل، وقضى به بقسامة أيمان الأولياء».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
عُثِرَ
ظهر واطُّلِع على خيانتهما وكذبهما ببرهان قاطع؛ من عثر على الشيء إذا سقط عليه وعلمه بعد خفاء.
تثنية الأولى، وهما أقرب ورثة الميت من عصبته المستحقين لماله.
فَإِنْ
الفاء للتفريع، إن شرطية جازمة.
عُثِرَ
ماضٍ مبني للمجهول في محل جزم فعل الشرط.
عَلَىٰ
حرف جر.
أَنَّهُمَا
أنّ واسمها (الضمير هما).
اسْتَحَقَّا
ماضٍ وألف الاثنين فاعل، و{إِثْمًا} مفعول به، والجملة خبر أنّ؛ والمصدر المؤول في محل جر بعلى متعلق بعثر وهو القائم مقام نائب الفاعل.
فَآخَرَانِ
الفاء رابطة لجواب الشرط، آخران مبتدأ مرفوع بالألف وخبره جملة يقومان (أو فاعل لفعل محذوف).
يَقُومَانِ
مضارع مرفوع بثبوت النون وألف الاثنين فاعل.
مَقَامَهُمَا
مفعول فيه ظرف مكان أو نائب مفعول مطلق منصوب وهما مضاف إليه.
مِنَ الَّذِينَ
متعلق بيقومان أو بنعت لآخران.
اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ
ماضٍ ومتعلقه.
الْأَوْلَيَانِ
فاعل استحق أو بدل من آخران مرفوع بالألف؛ وقرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية أبي بكر: {الْأَوَّلِينَ} جمعاً مجروراً نعتاً للذين أو بدلاً منه؛ وقرأ الباقون {الْأَوْلَيَانِ} تثنية ومرفوعاً.
فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ
عاطف ومضارع ومرفوع بالألف والجار والمجرور متعلق به.
خبر المبتدأ مرفوع بالضمة، والجملة جواب القسم لا محل لها.
مِن شَهَادَتِهِمَا
متعلق بأحق.
وَمَا اعْتَدَيْنَا
معطوف وما نافية واعتدينا ماضٍ وفاعله.
إِنَّا إِذًا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ
إن واسمها، إذاً حرف جواب وجزاء، اللام المزحلقة، الظالمين متعلق بمحذوف خبر إن.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إرساء أصل "رد اليمين والقسامة" عند ظهور أمارات الخيانة:
كمال تشريعي وقضائي فذ؛ الشريعة لا تغلق الباب بعد يمين المتهم، بل إذا ظهرت قرائن الخيانة واطلع الورثة على بينة تفيد كذب الشاهدين، فُتح الباب لـ "رد اليمين" على أولياء الدم والمال؛ فيقومان مقام الشاهدين ويقسمان يميناً مغلظة تسمى "القسامة"، فيُنقل الحق إليهما ويُسترد المال المسلوب؛ حماية للأموال من الضياع بحيل الأيمان الكاذبة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تحقيق دلالة {لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ} ومعنى الشهادة هنا:
يدفع الإشكال: كيف يشهد الأولياء وهم لم يحضروا موت الميت في السفر؟!
والتحقيق القضائي:
عبر بالشهادة هنا عن "الأيمان والقسامة"؛ لأن اليمين المؤكدة تسمى شهادة لكونها تقطع الخصومة وتثبت الحق كالشهادة؛ فمعنى {لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ}: أي أيماننا بالله أن هذا المتاع لصاحبنا الميت وأنهما خانا وكذبا أحق وأصدق من أيمانهما الكاذبة؛ فأطلق الشهادة على اليمين مجازاً لبلوغها غايتها في الإلزام القضائي.