أخرج الطبري (ج ١٠، ص ٩٦٣-٩٧٢)مصدر غير محدد١٠/٩٦٣ وابن أبي حاتم وأحمد في "المسند" عن ابن عباس ومجاهد: يتعجب الله تعالى تعجيباً استنكارياً من صنيع اليهود؛ كيف يرضون بك يا محمد حكماً وقاضياً وهم لا يؤمنون بنبوتك ويكفرون بكتابك؟! والدافع لتحكيمهم إياك ليس البحث عن الحق، بل الفرار من حكم التوراة التي بين أيديهم وفيها حد الرجم الواضح الصريح؛ فلما حكمتَ عليهم بما يوافق التوراة تولوا وأعرضوا؛ فكشف القرآن تناقضهم وكذب دعواهم الإيمان بالتوراة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
وَكَيْفَ
اسم استفهام خرج مخرج التعجيب والإنكار والتوبيخ.
يَتَوَلَّوْنَ
الإعراض والصد والامتناع عن قبول الحكم بعد صدوره.
وَمَا أُولَٰئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ
نفي صفة الإيمان الحق عنهم؛ لأن من يرد حكم الله في كتابه ليس بمؤمن به حقيقة.
وَكَيْفَ
الواو استئنافية، كيف اسم استفهام في محل نصب حال مقدمة، أو مفعول مطلق.
يُحَكِّمُونَكَ
يحكمون مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل والكاف مفعول به.
وَعِندَهُمُ التَّوْرَاةُ
الواو حالية، عندهم ظرف متعلق بمحذوف خبر مقدم، التوراة مبتدأ مؤخر والجملة في محل نصب حال.
فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ
جملة اسمية ثانية في محل نصب حال من التوراة أو استئنافية.
ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ
ثم حرف عطف وتراخٍ دال على استبعاد تصرفهم واستقباحه، يتولون مضارع مرفوع بثبوت النون.
مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ
متعلق بيتولون.
وَمَا أُولَٰئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ
الواو استئنافية، ما نافية تعمل عمل ليس، أولئك اسمها، والباء حرف جر زائد لفظاً، المؤمنين خبر ما مجرور لفظاً منصوب محلاً بالياء.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
فضح النفاق المزدوج والازدواجية المصلحية:
بلغت المحاكمة النفسية والمنطقية ذروتها في هذه الآية؛ حيث فضح القرآن كذبهم الفاضح:
هم يزعمون الإيمان بالتوراة ويعادون القرآن، ومع ذلك يتركون التوراة ويتحاكمون إلى القرآن رجاء التخفيف!
وحين يحكم القرآن بالحق المطابق للتوراة ينقلبون على أعقابهم ويرفضون الحكمين معاً؛ فبيّن القرآن أنهم لا يؤمنون بمحمد، ولا يؤمنون بموسى، وإنما إلههم الأوحد هو الهوى المصلحي البراغماتي الخسيس.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
شبهة: هل تدل عبارة {فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ} على عدم وقوع التحريف في التوراة؟:
يدفع الإشكال: حرر أئمة التحقيق -كابن تيمية في "الجواب الصحيح" والقرطبي وابن القيم- وجه الصواب:
إن الآية تثبت أن التوراة التي كانت بأيديهم في زمن النبي صلى الله عليه وسلم كانت لا تزال تشتمل على بقايا من الوحي الإلهي الصادق والأحكام المحكمة كحد الرجم ونعت النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يكن التحريف مستغرقاً لكل كلمة فيها، بل حرّفوا وكتموا أشياء وأبقوا أشياء.
إقامة الحجة عليهم من جنس ما يعتقدون صحته؛ فإلزام الخصم بنصوص كتابه التي يقر بها هو أبلغ أوجه الإفحام العقلي والمحاججة القضائية.
الاستفهام التعجيبي في {وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ}: تعجيب يملأ النفوس بالدهشة من تناقض هؤلاء القوم؛ واستعمال حرف التراخي {ثُمَّ} لإفادة الاستبعاد العقلي والأخلاقي لتوليهم بعد أن قامت عليهم الحجة بكتبهم وبحكم النبي صلى الله عليه وسلم؛ والختام بنفي الإيمان بالباء الزائدة {وَمَا أُولَٰئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ} حسم قطعي بأن مجرد الانتساب للأنبياء لا يمنح صفة الإيمان ما لم يقترن بالرضا والانقياد لأحكام الله.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الحذر من الازدواجية والتناقض الفكري، وضرورة الرضا التام بأحكام الشريعة في المنشط والمكره.