وقد حرر أئمة التفسير المسند (ابن جرير الطبري في «جامع البيان»، وابن كثير في «تفسير القرآن العظيم»، والبغوي في «معالم التنزيل»):
سبب النزول وسياق كثرة الأسئلة والتنطع في عهد الوحي:
أخرج البخاري في "صحيحه" (رقم ٤٦٢١)مصدر غير محددحديث رقم ٤٦٢١ ومسلم (رقم ٢٣٥٩)مصدر غير محددحديث رقم ٢٣٥٩ عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبة ما سمعت مثلها قط، فقال: "لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً"، فغطى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وجوههم ولهم خنين، فقال رجل: من أبي؟ قال: أبوك حذافة؛ فقام رجل آخر فقال: أين أبي يا رسول الله؟ قال: في النار؛ فقام عمر رضي الله عنه فقال: رضينا بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد رسولاً؛ فنزلت هذه الآية: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ...}».
وأخرج مسلم في "صحيحه" (رقم ١٣٣٧)مصدر غير محددحديث رقم ١٣٣٧ وأحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «أيها الناس، قد فرض الله عليكم الحج فحجوا؛ فقال رجل: أكلّ عام يا رسول الله؟ فسكت حتى قالها ثلاثاً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم"، ثم قال: "ذروني ما تركتكم، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه"».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
تُبْدَ لَكُمْ
تظهر وتنكشف لكم تفاصيلها وحقائقها.
تَسُؤْكُمْ
تحزنكم وتغمكم وتوقعكم في الحرج والمشقة.
عَفَا اللَّهُ عَنْهَا
سكت الله عنها رحمة وتخفيفاً لا نسياناً، فلا تبحثوا عما سكت عنه الشارع.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
نداء للنهي والأدب الشرعي.
لَا تَسْأَلُوا
لا ناهية جازمة، تسألوا مضارع مجزوم بحذف النون والواو فاعل.
عَنْ أَشْيَاءَ
جار ومجرور متعلق بتسألوا، وأشياء مجرور بالفتحة لمنعه من الصرف (على وزن لفعاء أو فعلاء).
إِن تُبْدَ
إن شرطية جازمة، تبدَ مضارع مبني للمجهول مجزوم بحذف حرف العلة (الألف) وهو فعل الشرط، ونائب الفاعل مستتر يعود على أشياء.
لَكُمْ
متعلق بتبد.
تَسُؤْكُمْ
جواب الشرط مجزوم بالسكون والكاف مفعول به والفاعل مستتر، والجملة الشرطية في محل جر نعت لأشياء.
وَإِن تَسْأَلُوا عَنْهَا
شرط وجوابه، وعنها متعلق بتسألوا.
حِينَ
ظرف زمان منصوب متعلق بتبد، وهو مضاف.
يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ
مضارع مبني للمجهول والقرآن نائب فاعل، والجملة في محل جر بالإضافة لحين.
تُبْدَ لَكُمْ
جواب الشرط مجزوم بحذف حرف العلة ولكم متعلق به.
عَفَا اللَّهُ
عفا ماضٍ والله فاعل وعنها متعلق بعفا، والجملة مستأنفة أو نعت ثانٍ لأشياء.
وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ
مبتدأ وخبران.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إرساء أدب السؤال وحماية الشريعة من التضييق والتنطع:
أدب نبوي وتشريعي رفيع؛ بعد أن فصل أحكام العقود والفرائض والحدود، قطع دابر التكلف والأسئلة الافتراضية المحرجة؛ لئلا ينزل بسبب كثرة السؤال تشديد أو تحريم لأمر كان مباحاً، أو يفتضح نسب إنسان أو سر يُساء به؛ فأدبهم الله بالاكتفاء بما نزل من الوحي، وترك ما سكت عنه تيسيراً ورحمة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تحقيق نطاق النهي عن السؤال والتفريق بين السؤال للتعلم والسؤال للتعنت:
يدفع الإشكال: هل النهي عام في كل سؤال ديني مع قوله تعالى {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}؟!
والتحقيق الفقهي الأصولي:
السؤال المنهي عنه قطيعاً:
السؤال في زمن النبوة عن أمور مسكوت عنها قد يؤدي السؤال فيها إلى إيجاب شاق أو تحريم حلال، كما في حديث الحج.
السؤال امتحاناً وتعنتاً أو بحثاً عن الفضائح والغيوب المحجوبة كسؤال "من أبي؟" و"أين هو؟".
الأسئلة الافتراضية المعقدة في تفاصيل لم تقع لا ينبني عليها عمل.
السؤال المأمور به شرعاً:
السؤال عما نزل من أحكام الشريعة لتطبيقها والعمل بها، والتفقه في الحلال والحرام، والسؤال عن تصحيح الصلاة والمعاملات؛ فهذا واجب ومأمور به بنص آية النحل {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ}.
التنكير في {عَنْ أَشْيَاءَ}: لبيان خطورة نوعيات معينة من المسائل التي يترتب على كشفها سوء وحزن.
التذييل بـ {وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ}: إشارة لطيفة إلى حلمه وسعة عفوه عن أسئلتهم السابقة التي سألوها قبل النهي، ودعوة لهم للتأدب بحلم الله وسعة شريعته.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التأدب في مجالس العلم، وتجنب الأسئلة المحرجة والفضولية التي تثير الفتن ولا يترتب عليها نفع.
التسليم لسماحة الشريعة والوقوف عند حدود ما بينه الله ورسوله، والابتعاد عن التكلف والتنطع والتشقيق الفقهي العقيم.