تفسير الآثار في تلازم الإيمان الصحيح بالبراءة من أعداء الله:
أخرج الطبري (ج ١٠، ص ٦٠٠-٦٠٤)مصدر غير محدد١٠/٦٠٠ وابن أبي حاتم وابن كثير عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي:
{وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ}: «أي لو صدق هؤلاء اليهود بالله حقاً، وبنبيهم موسى (أو بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم)، وبالتورات والقرآن الذي نزل بالتوحيد والنهي عن موالاة الكافرين؛ {مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ}: لما ناصروا المشركين على رسول الله والمؤمنين؛ ولكن كفرهم بأنبيائهم وفسقهم المستحكم هو الذي حملهم على ذلك».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
وَالنَّبِيِّ
النبي محمد صلى الله عليه وسلم، أو موسى عليه السلام؛ والمراد جنس الأنبياء وحقهم في التصديق.
مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ
جواب لو، وهو امتناع الموالاة لامتناع الإيمان الصادق.
فَاسِقُونَ
خارجون عن أمر الله متمردون على كتبهم.
وَلَوْ
الواو عاطفة، لو شرطية امتناعية.
كَانُوا
كان واسمها.
يُؤْمِنُونَ
مضارع والواو فاعل، والجملة خبر كان؛ والمصدر المؤول في محل رفع فاعل لثبت المحذوف فعل الشرط.
بِاللَّهِ
متعلق بيؤمنون.
وَالنَّبِيِّ
معطوف مجرور.
وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ
ما موصولة معطوفة، وجملة أنزل صلتها، وإليه متعلق بأنزل.
مَا اتَّخَذُوهُمْ
ما نافية، اتخذوهم ماضٍ وفاعله ومفعوله الأول.
أَوْلِيَاءَ
مفعول به ثانٍ منصوب بالفتحة وممنوع من الصرف؛ والجملة جواب لو لا محل لها.
وَلَٰكِنَّ
الواو استئنافية، لكن حرف استدراك ونصب.
كَثِيرًا
اسم لكن منصوب بالفتحة.
مِّنْهُمْ
نعت لكثيراً.
فَاسِقُونَ
خبر لكن مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إرساء التلازم العقدي والمنطقي بين الإيمان والبراءة:
برهان عقلي قاطع كفلق الصبح؛ تقرر الآية أن الإيمان الحق بالله والأنبياء والكتب يستحيل عقلاً وشرعاً أن يجتمع في قلب عبد مع موالاة المشركين ونصرة الكفر؛ فوجود الموالاة ونصرة أعداء الله دليل قاطع على انتفاء الإيمان الباطن؛ ففضحت الآية دعواهم الإيمان وأثبتت كفرهم وخروجهم عن الفطرة والشرع.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تحقيق قاعدة التلازم بين الظاهر والباطن في مسائل الولاء والبراء:
هذه الآية عمدة عند أئمة المحققين (كشيخ الإسلام ابن تيمية في "الإيمان" و"قاعدة في الموالاة والمعاداة"):
استدل ابن تيمية بالآية على أن الموالاة الظاهرة لأعداء الله تنفي الإيمان الباطن؛ لأن "لو" الامتناعية تدل على امتناع الشيء لامتناع غيره؛ فامتناع موالاتهم مشروط بوجود الإيمان، فلما وقعت موالاتهم للأعداء دل قطعاً على انتفاء الإيمان من قلوبهم؛ فالظاهر والباطن متلازمان تلازماً حتمياً.
أسلوب الشرط بـ "لو" الامتناعية: إفادة القطع بأن إيمانهم معدوم كلياً في الواقع المعاش، وأن دعواهم مجرد كذب.
الاستدراك بـ {وَلَٰكِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ}: بيان للعلة النفسية الواقعية؛ وهي أن الفسق والتمرد العتيد هو الذي قادهم إلى هذه الخيانة العظمى.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تصفية القلب من أي ميل أو موالاة لأعداء الدين ومحاربي العقيدة، وتوثيق رباط الحب في الله والبغض في الله.
إدراك أن الأعمال الظاهرة والمواقف السياسية والاجتماعية تعبير دقيق وانعكاس حتمي لما استقر في الباطن من إيمان أو نفاق.