أخرج البخاري في "صحيحه" (رقم ٤٥ و ٤٤٠٧ و ٤٦٠٦) ومسلم (رقم ٣٠١٧)مصدر غير محددحديث رقم ٣٠١٧ والترمذي والنسائي من حديث طارق بن شهاب عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أن رجلاً من اليهود قال له: يا أمير المؤمنين، آية في كتابكم تقرؤونها لو نزلت علينا معشر اليهود لاتخذنا ذلك اليوم عيداً، قال عمر: وأي آية؟ قال: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا}، فقال عمر: «والله إني لأعلم اليوم الذي نزلت فيه، والساعة التي نزلت فيها على رسول الله صلى الله عليه وسلم، نزلت عشية عرفة في يوم جمعة ونحن وقوف بعرفة».
وروى أحمد والترمذي وابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «نزلت هذه الآية في يوم عيدين: يوم جمعة ويوم عرفة، ومات رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدها بإحدى وثمانين ليلة».
تفسير المحرمات العشر في الآثار:
أخرج الطبري (ج ٩، ص ٥٠١-٥٣٥)مصدر غير محدد٩/٥٠١ عن ابن عباس وقتادة والضحاك في تفصيلها:
{الْمُنْخَنِقَةُ}: التي تخنق فتموت حتف أنفها بحبل أو انحصار بين شجرتين.
{الْمَوْقُوذَةُ}: التي تُضرب بالعصا أو بالحجارة حتى تموت دون تذكية شرعية.
{الْمُتَرَدِّيَةُ}: التي تسقط من جبل أو تردى في بئر فتموت بسقوطها.
{النَّطِيحَةُ}: الشاة أو البهيمة التي تنطحها أخرى فتموت بالنطاح.
{وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ}: ما افترسه الأسد أو الذئب أو الضبع فمات بأكله وجراحه.
{إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ}: ما أدركتموه من هذه الأصناف وفيه حياة مستقرة فذبحتموه ذبحاً شرعياً بإسالة الدم وقطع الحلقوم والمريء.
{وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ}: حجارة كانت منصوبة حول الكعبة في الجاهلية يذبحون عليها لأصنامهم ويعظمونها.
{وَأَن تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ}: قداح ثلاثة كان يكتب عليها (أمرني ربي) و(نهاني ربي) والثالث غفل، فيجيلونها لمعرفة الإقدام أو الإحجام.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
الْمَيْتَةُ
ما زالت حياته بغير تذكية شرعية مباحة.
الْخِنزِيرِ
الحيوان النجس الخبيث المعروف، والتنصيص على لحمه يشمل شحمه وجلده وسائر أجزائه بالإجماع.
أُهِلَّ
الإهلال هو رفع الصوت عند الذبح، وكانوا يرفعون أصواتهم بأسماء أصنامهم (كاللات والعزى).
مَخْمَصَةٍ
المجاعة الشديدة التي تخمص البطون وتضمرها من شدة الجوع وخوف الهلاك.
مُتَجَانِفٍ
الجَنَف هو الميل والانحراف عن القصد، ومتجانف لإثم: مائل إليه متعمداً للتوسع والشهوة وتجاوز سد الرمق.
حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ
حُرمت فعل ماض مبني لما لم يُسمَّ فاعله، عليكم متعلق بحرمت، الميتة نائب فاعل مرفوع بالضمة، وما بعدها معطوف عليها.
إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ
إلا أداة استثناء، ما اسم موصول في محل نصب على الاستثناء المتصل من الضمائر أو المحرمات المذكورة قبله، وجملة ذكيتم صلتها.
وَأَن تَسْتَقْسِمُوا
أن حرف مصدري ونصب، تستقسموا مضارع منصوب بحذف النون والواو فاعل، والمصدر المؤول في محل رفع معطوف على نائب الفاعل (الميتة).
ذَٰلِكُمْ فِسْقٌ
اسم إشارة مبتدأ، وفسق خبر مرفوع بالضمة.
الْيَوْمَ
ظرف زمان منصوب متعلق بيئس، وجملة {يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا} مستأنفة.
الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ
ظرف زمان متعلق بأكملت، أكملت فعل وفاعل، ودينكم مفعول به منصوب والكاف مضاف إليه، ونعمتي مفعول أتممت.
وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا
الإسلام مفعول به أول، وديناً مفعول به ثانٍ منصوب أو حال.
فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ
من اسم شرط جازم مبتدأ، اضطر فعل ماض مبني لما لم يُسمَّ فاعله ونائب الفاعل مستتر، وهو في محل جزم فعل الشرط.
غَيْرَ مُتَجَانِفٍ
غير حال منصوبة من نائب الفاعل المستتر، ومتجانف مضاف إليه.
فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
الفاء رابطة لجواب الشرط، والجملة في محل جزم جواب الشرط وفعل الشرط وجوابه خبر المبتدأ.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ذروة التشريع وتاج كمال الملة:
جاء نظم الآية في غاية الروعة والترقي؛ فبدأت ببيان تفاصيل الحلال والحرام في الأطعمة وسد أبواب الشرك والوثنية (الاستقسام بالأزلام وما ذبح على النصب)؛ فلما طُهّر المجتمع المسلم في مآكله ومشاربه وعقائده، أعلن القرآن البشارة التاريخية العظمى: يأس الكفار من ارتداد المسلمين بعد هذا التمايز التام، وبلوغ الدين كماله المطلق واستغراقه لجميع مناحي الحياة، ثم عطف ببيان رخصة الاضطرار تبياناً لرحمة هذا الدين ويسره.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
شبهة: هل نزل تشريع أو نسخ بعد قوله تعالى {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ}؟:
يدفع الإشكال: بيّن أئمة التحقيق -كابن جرير الطبري وابن كثير وابن تيمية في "الفتاوى"- المعنى الدقيق لكمال الدين:
كمال الدين يعني: كمال أصوله وقواعده ومقاصده، واستغناء الأمة عن كل شريعة سابقة، ونصرته على الأديان بحيث أتم الله عليهم الحج خالصاً للمسلمين لا يخالطهم فيه مشرك ولا يطوف بالبيت عريان.
لا يتنافى ذلك مع نزول بعض الجزئيات التشريعية بعد هذه الآية (كآية الربا أو آية الكلالة الصيفية)؛ لأن تلك الأحكام نزلت تأكيداً وتفريعاً على الأصول المقررة الكاملة، ولم ينزل بعد عرفة أصل جديد ينسخ ما قبله أو يغير معالم الملة.
شبهة شمول لفظ اللحم لشحم الخنزير وأجزائه:
يدفع الإشكال: أجمع علماء الأمة وقواعد اللسان العربي على أن لفظ "اللحم" إذا أُطلق في لغة الشرع والعرف فإنه يتناول الشحم والجلد والغضاريف وسائر الأجزاء؛ وخص اللحم بالذكر لأنه المقصود الأعظم من الذبح والتناول، وتغليباً لأشرف أجزاء الحيوان وأكثرها طلباً، فلا يحل من الخنزير شيء بالاتفاق القطعي.
المقابلة بين كمال الدين وإتمام النعمة: استعمل مع الدين {أَكْمَلْتُ} ومع النعمة {أَتْمَمْتُ}؛ لأن الكمال للأمر المعنوي المستغرق لكل أجزائه حتى لا يقبل زيادة مشرّع ولا نقصان مبطل، والتمام للأمر المحسوس الممتد حتى يبلغ غايته ونهايته؛ فصار الدين كاملاً لا يعتريه نقص، والنعمة تامة بظهور الإسلام وعلو كلمته.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الفخر والاعتزاز بنعمة الإسلام واليقين بكماله واستغنائه عن كل القوانين والنظريات الفلسفية الوضعية.
اليقين بأن أحكام الحلال والحرام مبنية على رعاية طيبات النفس ودفع الخبائث والأضرار الحسية والمعنوية عن الإنسان.