تفسير الملوكية والنعمة التي لم تؤت لأحد في الآثار:
أخرج الطبري في "جامع البيان" (ج ١٠، ص ٦٩٦-٧١٢)جامع البيانالطبري١٠/٦٩٦ وابن أبي حاتم والحاكم وصححه، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {وَجَعَلَكُم مُّلُوكًا}: قال: «كان الرجل من بني إسرائيل إذا كانت له خادم وامرأة ودار سُمي مَلكاً»، وعنه أيضاً: «مَلَكتم أمر أنفسكم وأهليكم بعد أن كنتم عبيداً مستضعفين لآل فرعون يسومونكم سوء العذاب».
وروى الترمذي (رقم ٢٣٤٦)مصدر غير محددحديث رقم ٢٣٤٦ وحسنه، وابن ماجه (رقم ٤١٤١)مصدر غير محددحديث رقم ٤١٤١ عن عبيد الله بن محصن الخطمي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من أصبح منكم آمناً في سربه، معافى في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها».
وعن قتادة ومجاهد: {وَآتَاكُم مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِّنَ الْعَالَمِينَ}: أي عالمي زمانهم بتفجير الحجر، ونزول المن والسلوى، وتظليل الغمام، وفلق البحر، وإنجائهم من فرعون وجنده.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
مُّلُوكًا
جمع مَلِك، والمَلِك هو المستقل بأمره الحائز لأسباب المعيشة الكريمة من دار وزوجة وخادم وراحة، أو من له قدرة التملك والاستغناء عن الاستعباد.
الْعَالَمِينَ
جمع عالَم، وهو كل موجود سوى الله، والمراد به هنا عالمو زمانهم وعصرهم المتقدم.
وَإِذْ
الواو استئنافية، إذ ظرف لما مضى من الزمان متعلق باذكر محذوفاً.
قَالَ مُوسَىٰ
فعل ماض وموسى فاعل مرفوع بضمة مقدرة للتعذر.
لِقَوْمِهِ
متعلق بقال والهاء مضاف إليه.
يَا قَوْمِ
منادى مضاف حذفت منه ياء المتكلم للتخفيف، والكسرة دليل عليها.
اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ
فعل أمر وفاعل ومفعول به ومضاف إليه، وعليكم متعلق بنعمة أو باذكروا.
إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنبِيَاءَ
إذ ظرف بدل اشتمال من نعمة الله، وجملة جعل في محل جر بالإضافة، وفيكم متعلق بجعل، وأنبياء مفعول به أول أو نائب فاعل.
وَجَعَلَكُم مُّلُوكًا
الكاف مفعول أول وملوكاً مفعول ثانٍ لجعل.
وَآتَاكُم
فعل وفاعل ومفعول أول.
مَّا
اسم موصول مبني في محل نصب مفعول به ثانٍ لآتاكم.
لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا
لم حرف جزم، يؤتِ مضارع مجزوم بحذف حرف العلة والفاعل مستتر، وأحداً مفعول أول.
مِّنَ الْعَالَمِينَ
نعت لأحد مجرور بالياء.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
التمهيد النفسي بالتذكير بالنعم قبل الأمر بالجهاد:
براعة تربوية ودعوية باهرة؛ حيث قدّم موسى عليه السلام تذكير قومه بثلاث نعم عظمى: نعمة النبوة والوحي والهداية {جَعَلَ فِيكُمْ أَنبِيَاءَ}، ونعمة الحرية والسيادة والعيش الكريم {وَجَعَلَكُم مُّلُوكًا} بعد سنوات القهر الفرعوني، ونعمة المعجزات الخارقة {وَآتَاكُم مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِّنَ الْعَالَمِينَ}؛ ليكون هذا الاستذكار دافعاً لهم للبذل والجهاد وشكر المنعم بدخول الأرض المقدسة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
شبهة: كيف يقول {مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِّنَ الْعَالَمِينَ} وأمة محمد صلى الله عليه وسلم أفضل الأمم؟:
يدفع الإشكال: أجمع المفسرون وأهل الأصول -كالطبري وابن كثير- على أن "الألف واللام" في {الْعَالَمِينَ} هنا للعهد وليست للاستغراق المطلق لجميع الدهور؛ أي لم يؤت أحداً من عالمي زمانهم المعاصرين لهم؛ كقوله تعالى: {وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ}. أما الأفضلية المطلقة عبر تاريخ البشرية فقد ثبتت بنص القرآن لأمة محمد صلى الله عليه وسلم: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ}.
التدرج في ذكر النعم من الروحي إلى الدنيوي إلى الخارق: بدأ بالنبوة لأنها أصل الهداية وصلاح الدين، ثم ثنى بالملوكية لأنها قوام الحياة وصلاح الدنيا، ثم ثلث بالمعجزات الخارقة تثبيتاً لليقين؛ ونداؤهم بـ {يَا قَوْمِ} استعطافاً لقلوبهم وتذكيراً بالرابطة الجامعة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
استحضار نعم الله المتوالية في الأمن والحرية والصحة والهداية، وشكرها بالانقياد لأوامر الشرع.
اقتداء الدعاة بمنهج موسى عليه السلام في ترغيب النفوس وإيقاظ المشاعر الإيمانية قبل إلقاء التكاليف الثقيلة.