أخرج الطبري في "جامع البيان" (ج ١٠، ص ٥٤٧-٥٥٤)جامع البيانالطبري١٠/٥٤٧ وابن أبي حاتم وابن كثير عن ابن عباس ومجاهد والضحاك والسدي: «هذا كفر طائفة أخرى من النصارى القائلين بالتثليث (الأب والابن والروح القدس)، وهي المذاهب النصرانية المقررة في المجامع (الملكانية والمارونية وغيرهم)، يزعمون أن الله ثالث ثلاثة؛ فأكذبهم الله تعالى ورد عليهم بالتوحيد الخالص: {وَمَا مِنْ إِلَٰهٍ إِلَّا إِلَٰهٌ وَاحِدٌ}، ثم توعدهم بأشد الوعيد».
وروى الطبري عن ابن عباس قال: «قالت النصارى: عيسى هو الله، وقالت طائفة: عيسى ابن الله، وقالت طائفة: الله ثالث ثلاثة؛ وكلهم كفار مخلدون في النار إن ماتوا على ذلك».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ
أحد ثلاثة آلهة؛ وقيل: الإله مركب من ثلاثة أقانيم متساوية في الجوهر بزعمهم الباطل.
وَمَا مِنْ إِلَٰهٍ إِلَّا إِلَٰهٌ وَاحِدٌ
نص قطعي في إفراد الربوبية والألوهية واستحالة التعدد والشريك.
لَيَمَسَّنَّ
المس هو الإصابة المباشرة بألم العذاب.
لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا
توكيد باللام وقد، والذين فاعل، وقالوا صلة.
إِنَّ اللَّهَ
إن واسمها منصوب بالفتحة.
ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ
ثالث خبر إن مرفوع، وثلاثة مضاف إليه مجرور؛ وجملة إن واسمها وخبرها مقول القول.
وَمَا مِنْ إِلَٰهٍ
الواو حالية أو استئنافية، ما نافية، من حرف جر زائد لتأكيد النفي واستغراق الجنس، إله مبتدأ مجرور لفظاً مرفوع محلاً.
إِلَّا
أداة حصر وإلغاء.
إِلَٰهٌ
خبر المبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة.
وَاحِدٌ
نعت لإله مرفوع بالضمة؛ والجملة رد وإبطال لمقالتهم.
وَإِن لَّمْ يَنتَهُوا
الواو عاطفة، إن شرطية جازمة، لم جازمة، ينتهوا فعل الشرط مجزوم بحذف النون والواو فاعل.
عَمَّا يَقُولُونَ
عن حرف جر، ما موصولة أو مصدرية، وجملة يقولون صلة، والجار والمجرور متعلق بينتهوا.
لَيَمَسَّنَّ
اللام واقعة في جواب قسم مقدر محذوف هو المتقدم على الشرط، يمسن مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة في محل رفع.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إبطال عقيدة التثليث بالمحاكمة العقلية الصريحة:
تدرج محكم في نقض مقالات النصارى الشركية؛ بعد أن نقض مقالة من قال بالاتحاد التام وأن المسيح هو الله في الآية السابقة، نقض هنا مقالة التثليث القائلة بأن الله ثالث ثلاثة؛ وقابل هذا التناقض العقلي المظلم بالنص الساطع على التوحيد البحت: {وَمَا مِنْ إِلَٰهٍ إِلَّا إِلَٰهٌ وَاحِدٌ}؛ فالإله لا يقبل التعدد ولا التركيب ولا التجزؤ بوجه من الوجوه العقلية.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
بطلان نظرية الأقانيم الثلاثة بالمحاكمة العقلية واللغوية:
يدفع الإشكال: يحاول لاهوتيو النصارى الفرار من وصمة الشرك والتعدد بزعم أن الأقانيم الثلاثة (الأب والابن والروح القدس) جوهر واحد وإله واحد!
والتحقيق العقلي الصارم: هذا تناقض منطقي يستحيل في بدائه العقول؛ إذ الجمع بين كون الثلاثة المتمايزة ذواتاً إلهاً واحداً حقيقياً جمع بين النقيضين؛ فإن كانت الأقانيم متباينة في الصفات (الأب يرسل والابن يُرسل ويُصلب والروح ينبثق) فالتعدد واقع حتماً؛ وإن كانت متطابقة من كل وجه فالتثليث لغو باطل لا معنى له؛ والقرآن بصرامته اللغوية والعقلية ينسف هذه المغالطة: {وَمَا مِنْ إِلَٰهٍ إِلَّا إِلَٰهٌ وَاحِدٌ}.
التوكيد البلاغي بـ "من" الزائدة الاستغراقية: قوله {وَمَا مِنْ إِلَٰهٍ} أبلغ في نفي الشريك والند من قوله "وما إله إلا واحد"؛ لأن "من" تستغرق كل فرد ومفهوم للإله المزعوم، فتنفي قطيعاً أي وجود لأي معبود باطل.
التنكير في {عَذَابٌ أَلِيمٌ} والتأكيد بالقسم ونون التوكيد في {لَيَمَسَّنَّ}: تحذير يخلع القلوب من مغبة الإصرار على الشرك والتلفيق العقدي.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):