تفسير الآثار في الاستجواب الإلهي الأعظم وتبرؤ المسيح أمام الخلائق:
أخرج الطبري في "جامع البيان" (ج ١١، ص ٢٠٨-٢٢٣)جامع البيانالطبري١١/٢٠٨ وابن أبي حاتم وابن كثير عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي: «هذا القول يقع يوم القيامة على رؤوس الأشهاد أمام الأولين والآخرين؛ يسأل الله تعالى عبده ورسوله عيسى بن مريم سؤال تقريع وتوبيخ للنصارى الذين عبدوه وعبدوا أمه؛ فيرتعد عيسى وتصيبه رعدة وخشوع وتنزيه لله عز وجل، فيقول متأدباً خاضعاً: {سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ...}».
وروى الحاكم في "المستدرك" (ج ٢، ص ٣١٤ وصححه ووافقه الذهبي) وابن جرير عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ...}: «فلقاه الله حُجَّته وقال له: {سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ}، فما سكت عيسى حتى فوض الأمر إلى علام الغيوب».
أمر مبني على حذف النون والواو فاعل والنون للوقاية والياء مفعول به أول.
وَأُمِّيَ
معطوف على الياء منصوب بالفتحة المقدرة، والياء مضاف إليه.
إِلَٰهَيْنِ
مفعول به ثانٍ لاتخذوني منصوب بالياء لأنه مثنى.
مِن دُونِ اللَّهِ
متعلق بمحذوف نعت لإلهين، والجملة مقول القول في محل نصب.
قَالَ
ماضٍ وفاعله مستتر.
سُبْحَانَكَ
مفعول مطلق لفعل محذوف منصوب بالفتحة والكاف مضاف إليه.
مَا يَكُونُ
ما نافية، يكون مضارع ناقص.
لِي
متعلق بمحذوف خبر يكون مقدم.
أَنْ أَقُولَ
أن مصدرية ناصبة، أقول مضارع منصوب، والمصدر المؤول في محل رفع اسم يكون مؤخر.
مَا
اسم موصول مفعول به لأقول.
لَيْسَ
ماضٍ ناقص واسمها مستتر.
لِي
متعلق بمحذوف خبر ليس.
بِحَقٍّ
الباء حرف جر زائد لتأكيد النفي، حق اسم مجرور لفظاً منصوب محلاً خبر ثانٍ أو حال من الضمير المستتر.
إِن كُنتُ قُلْتُهُ
إن شرطية، كنت واسمها وجملة قلته خبرها فعل الشرط.
فَقَدْ عَلِمْتَهُ
الفاء رابطة، قد حرف تحقيق، علمته ماضٍ وفاعله ومفعوله، والجملة في محل جزم جواب الشرط.
تَعْلَمُ
مضارع وفاعله مستتر.
مَا فِي نَفْسِي
ما موصولة مفعول به وفي نفسي متعلق بالصلة المحذوفة ونفسي مضاف والياء مضاف إليه.
وَلَا أَعْلَمُ
عاطف ونافي ومضارع وفاعله مستتر.
مَا فِي نَفْسِكَ
ما موصولة مفعول به ومتعلق بالصلة.
إِنَّكَ أَنتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ
إن واسمها، أنت ضمير فصل، علام خبرها والغيوب مضاف إليه.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ذروة المشهد التوحيدي وانفصام عرى الشرك في ساحة العدل الإلهي:
أعظم مشهد استجوابي في تاريخ الوجود؛ بعد أن استعرض نعمه ومعجزات عيسى والمائدة، توجه الحق تبارك وتعالى بهذا السؤال المهيب لعيسى أمام أتباعه الذين عبدوه: {أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَٰهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ}؟ ليسمع المشركون الجواب الصاعق من فم معبودهم المزعوم: تنزيه مطلق لله {سُبْحَانَكَ}، وتبرؤ تام، واعتراف بالعبودية، وتفويض العلم لعلام الغيوب؛ فتتقطع قلوب المشركين حسرة وينكشف بطلان عقائدهم أمام الخلائق أجمعين.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
إثبات إلهية مريم عند طوائف النصارى والرد على من زعم عدم عبادتهم لمريم:
يدفع الإشكال: يزعم بعض المستشرقين والمجادلين من النصارى أن النصارى لم يعبدوا مريم، فكيف قال القرآن: {اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَٰهَيْنِ}؟!
والتحقيق العقلي والتاريخي الدامغ:
تاريخ الفرق النصرانية: وُجدت في التاريخ فرق نصرانية صريحة ألهت مريم عليها السلام وعبدوها وقدموا لها القرابين (كفرقة المريميين المعروفة تاريخياً بـ الكوليريديان وبعض فرق الجزيرة العربية والشام).
حقيقة العبادة في اللاهوت النصراني العام: الكنيسة الأرثوذكسية والكاثوليكية تدعو مريم وتستغيث بها وتركع لتماثيلها وصورها وتسميها "والدة الإله" (الثيوتوكوس) وتطلب منها الشفاعة وغفران الذنوب والنصر على الأعداء؛ وهذا هو عين التأليه وحقيقة الشرك؛ لأن صرف الدعاء والركوع والاستغاثة لغير الله هو اتخاذ إله من دون الله ولو سموه بغير اسمه؛ فالقرآن يسمي الحقائق بأسمائها الشرعية الصريحة.
إثبات النفس لله تعالى في معتقد أهل السنة:
قوله {تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ}؛ قال أئمة السلف: نثبت لله تعالى نفساً تليق بجلاله، ونفسه هي ذاته المقدسة المتصفة بصفات الكمال، لا تشبه نفوس المخلوقين بوجه من الوجوه؛ {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}.
البدء بالتسبيح والتنزيه {سُبْحَانَكَ}: أدب نبوي معجز؛ لم يقدم عيسى النفي المباشر لئلا يوهم الرد الجاف، بل قدم تنزيه الله وتقديسه عما نسبه إليه المشركون من الشريك والولد أولاً، ثم أتبع ذلك بنفي استحقاقه للألوهية.
المقابلة البديعة في {تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ}: إظهار لكمال الفقر والعجز البشري في مقابل كمال الغنى والعلم الإلهي المطلق المحيط.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
كمال الخضوع والأدب مع الله تعالى في الخطاب والمسألة، وتعظيم مقامه ونفي كل ما يخالف حقه الخالص في العبادة.
البراءة التامة من كل غلو ينسب إلى الصالحين والأولياء خصائص الربوبية وتصريف الكون والدعاء والاستغاثة.