أخرج الطبري (ج ١٠، ص ٨٩٤-٩٠٠)مصدر غير محدد١٠/٨٩٤ وابن أبي حاتم وابن كثير عن ابن عباس والحسن البصري وقتادة: يصف الله حال أهل النار حين تلفحهم النيران وتضيق بهم الدركات فيحاولون الهرب والصعود إلى أعلاها كلما غلت بهم جهنم ودفعهم لهيبها، فإذا كادوا أن يخرجوا ضربتهم الملائكة بمقامع من حديد وردوهم إلى أسفلها وقيل لهم ذوقوا عذاب الحريق؛ كما قال تعالى: {كُلَّمَا أَرَادُوا أَن يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا}.
وروى البخاري في "صحيحه" (رقم ٤٧٣٠)مصدر غير محددحديث رقم ٤٧٣٠ ومسلم (رقم ٢٨٤٩)مصدر غير محددحديث رقم ٢٨٤٩ من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يُؤتى بالموت كهيئة كبش أملح فيُذبح بين الجنة والنار، ثم يقال: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
يُرِيدُونَ
الإرادة هنا تمني النفس وحركتها الشديدة للتخلص من الألم.
بِخَارِجِينَ
اسم فاعل مسبوق بالباء لتأكيد النفي الأبدي واستحالة الخروج.
مُّقِيمٌ
دائم مستقر لا يزول ولا ينقطع ولا يخفف عنهم.
يُرِيدُونَ
فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو فاعل.
أَن يَخْرُجُوا
أن مصدرية ونصب، يخرجوا مضارع منصوب بحذف النون، والمصدر المؤول في محل نصب مفعول به ليريدون.
مِنَ النَّارِ
متعلق بيخرجوا.
وَمَا هُم
الواو حالية، ما نافية تعمل عمل ليس، هم ضمير منفصل اسمها في محل رفع.
بِخَارِجِينَ
الباء زائدة لتوكيد النفي، خارجين مجرور لفظاً منصوب محلاً على أنه خبر ما بالياء.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تصوير العذاب النفسي المقترن بالعذاب الحسي:
ارتبطت الآية بسابقتها في بيان كمال الخسران؛ فبعد أن بيّن استحالة افتدائهم بالمال، بيّن هنا انسداد أبواب الهروب الحركي؛ فالكافر يتقلب في عذابين: عذاب حسي بلهيب النار، وعذاب نفسي شنيع بالإياس التام من الخروج وتخليد الندم في قلبه.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
الفرق العقدي بين خلود الكفار وخروج عصاة الموحدين:
يدفع الإشكال: أجمع أهل السنة والجماعة -كما قرر الطبري وابن كثير وأبو الحسن الأشعري في "مقالات الإسلاميين"- على أن هذه الآية نص قاطع في حق "الكفار والمشركين"؛ فهم الذين لا يخرجون من النار أبداً وعذابهم مقيم؛ أما عصاة الموحدين الذين دخلوا النار بذنوبهم دون شرك، فقد تواترت الأحاديث النبوية الصحيحة بأنهم يخرجون بشفاعة الشافعين ورحمة أرحم الراحمين ما دام في قلوبهم مثقال ذرة من إيمان؛ فبطلت شبهة الخوارج والمعتزلة في تخليد كل عاصٍ.
الجملة الاسمية المؤكدة بالباء {وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنْهَا}: أسلوب يدل على الثبوت والاستقرار الحتمي؛ فلو قال "وما يخرجون" لأفاد نفي الفعل في وقت معين، أما التعبير باسم الفاعل مع الباء المزيدة فأفاد الصفة الثابتة الراسخة التي تحكم باستحالة الخروج أبد الآبدين.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
استحضار هول الخلود في العذاب المقيم، والفرار إلى رحمة الله بالإنابة والتوحيد قبل أن تُغلق الأبواب.
شكر نعمة الإيمان والتوحيد التي هي طوق النجاة الوحيد من الخلود في نار الجحيم.