تفسير الآثار في عظمة حلم الله وعرض التوبة على أصحاب الشرك والتثليث:
أخرج الطبري (ج ١٠، ص ٥٥٥-٥٥٨)مصدر غير محدد١٠/٥٥٥ وابن أبي حاتم وابن كثير عن الحسن البصري وقتادة والسدي: «انظروا إلى كرم الله وحلمه وسعة رحمته؛ نسبوه إلى الصاحبة والولد، وجعلوه ثالث ثلاثة، وقالوا: هو المسيح، وهو يدعوهم مع ذلك إلى التوبة والاستغفار ويعدهم بالمغفرة والرحمة!».
وروى البخاري في "صحيحه" (رقم ٦٠٩٩)مصدر غير محددحديث رقم ٦٠٩٩ ومسلم (رقم ٢٨٠٤)مصدر غير محددحديث رقم ٢٨٠٤ عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ليس أحد أو ليس شيء أصبر على أذى سمعه من الله؛ إنهم ليدعون له ولداً، وإنه ليعافيهم ويرزقهم».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
أَفَلَا
همزة الاستفهام للإنكار والتوبيخ والحث والترغيب، والفاء عاطفة، ولا نافية.
يَتُوبُونَ
يرجعون عما قالوه من الكفر والتثليث والشرك إلى التوحيد الخالص.
وَيَسْتَغْفِرُونَهُ
يطلبون ستر ذنوبهم ومحوها من الغفور الرحيم.
أَفَلَا
الهمزة للاستفهام الإنكاري المتضمن للتحضيض والترغيب، الفاء عاطفة على مقدر (أي: أيسمعون هذا التهديد فلا يتوبون؟)، لا نافية.
يَتُوبُونَ
مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل.
إِلَى اللَّهِ
متعلق بيتوبون.
وَيَسْتَغْفِرُونَهُ
معطوف على يتوبون، والهاء مفعول به.
وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
الواو استئنافية أو حالية، الله مبتدأ، غفور خبر أول، رحيم خبر ثانٍ مرفوعان بالضمة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إفاضة الرحمة والترغيب إثر التهديد والوعيد:
التفات تربوي ودعوي في غاية اللطف والإعجاز؛ فبعد أن أعلن كفرهم الصريح وتوعدهم بالعذاب الأليم {لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}، لم يقطع حبل الرجاء، بل التفت إليهم باستفهام رقيق يستنهض عقولهم وقلوبهم: أبعد كل هذا البيان وهذا النذير لا يتوبون إلى ربهم ويستغفرونه؟! فكانت الآية أعظم مظهر من مظاهر الحلم والرحمة الإلهية.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
قبول توبة المشرك والكافر مهما عظم كفره:
الآية حجة قاطعة على أن التوبة الصادقة مقبولة من كل كافر ومشرك مهما عظمت جريمته؛ خلافاً لما يتوهمه القنوطون؛ فمن تاب من التثليث وآمن بالله وحده ورسوله محمد دخل في سعة {وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}؛ لأن الإسلام يجبّ ما قبله بالإجماع القطعي.
الجمع بين التوبة والاستغفار: التوبة رجوع عن الشرك بالقلب والعمل (الإقلاع)، والاستغفار طلب محو أثر الجريمة السابقة باللسان والتضرع؛ فجمع بين مقتضى الإيمان الباطن والتوسل الظاهر.
التذييل بصيغتي المبالغة {غَفُورٌ رَّحِيمٌ}: ترغيب يملأ القلب أملاً، وإشعار بأن سعة مغفرة الله أعظم من جرائم التثليث الشنيعة إذا صدق الرجوع.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تمثل خلق الحلم في دعوة الضالين والمخالفين، وعدم اليأس من هدايتهم مهما بلغ عتوهم في الباطل.
فتح أبواب الرجاء والمغفرة لجميع التائبين، والاستغفار الدائم من شوائب الشرك والذنوب.