تفسير الآثار في مقاصد الشيطان وتدمير الروابط الاجتماعية والدينية:
أخرج الطبري (ج ١٠، ص ٦٦٩-٦٧٨)مصدر غير محدد١٠/٦٦٩ وابن أبي حاتم وابن كثير عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي: «بيّن الله تعالى العلة والمفسدة العظمى في تحريم الخمر والميسر:
أما المفسدة الاجتماعية والدنيوية: فالخمر تذهب العقل فيثب الشارب على أخيه ويسفك دمه ويهتك عرضه ويفشي سره؛ والمقامر في الميسر يقامر على ماله وأهله فإذا سُلب ماله بقي فقيراً حانقاً على من غلبه، فيورث ذلك العداوة والبغضاء وتشتت الأسر والحروب وسفك الدماء.
وأما المفسدة الدينية والأخروية: فالخمر تسكر صاحبها فيغفل عن ذكر الله وعن الصلاة، والمقامر ينشغل بنرد وقمار وتتبع المكاسب الخبيثة فيفوته ذكر الله وتخرج الصلاة عن وقتها».
ولما قال الله تعالى: {فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ}، قال عمر والصحابة رضي الله عنهم: «انتهينا ربنا، انتهينا ربنا!».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
الْعَدَاوَةَ
الخصومة الظاهرة والمقاتلة.
وَالْبَغْضَاءَ
الكراهية القلبية الباطنة الناشئة عن الغدر وسلب الأموال ومحق الكرامة.
وَيَصُدَّكُمْ
يمنعكم ويصرفكم ويشغلكم.
فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ
استفهام إنكاري بمعنى الأمر الجازم الصارم؛ أي انتهوا فوراً ولا تترددوا.
إِنَّمَا
كافة ومكفوفة أداة حصر.
يُرِيدُ الشَّيْطَانُ
مضارع وفاعله.
أَن يُوقِعَ
أن مصدرية ناصبة، يوقع مضارع منصوب والفاعل مستتر، والمصدر المؤول مفعول به ليريد.
بَيْنَكُمُ
ظرف مكان متعلق بيوقع والكاف مضاف إليه.
الْعَدَاوَةَ
مفعول به ليوقع منصوب بالفتحة.
وَالْبَغْضَاءَ
معطوف منصوب.
فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ
في سببية وعائية متعلقة بمحذوف حال، أو بيوقع.
وَيَصُدَّكُمْ
معطوف على يوقع منصوب، والكاف مفعول به.
عَن ذِكْرِ اللَّهِ
متعلق بيصدكم، والله مضاف إليه.
وَعَنِ الصَّلَاةِ
معطوف مجرور.
فَهَلْ
الفاء فصيحة، هل حرف استفهام تقريري يقتضي الأمر البات.
أَنتُم
ضمير منفصل مبتدأ.
مُّنتَهُونَ
خبر المبتدأ مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم؛ والجملة مقول قول مقدر.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
برهان تشريعي باهر يجمع بين المقاصد الشرعية والمصالح المرعية؛ بعد أن أمر باجتناب الخمر والميسر في الآية السابقة، شرح هنا الفلسفة التشريعية للتحريم؛ فبين أنهما سلاح الشيطان لإفساد دنيا الناس بإشعال العداوة والبغضاء، وإفساد آخرتهم بالصد عن ذكر الله والصلاة؛ فكان هذا التحليل كافياً لإقناع كل ذي لب بوجوب الانتهاء الفوري.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تحقيق دلالة الاستفهام بـ {فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ} كأبلغ صيغ الأمر:
يدفع الإشكال: قد يظن الجاهل بأساليب العرب أن الاستفهام هنا للتخيير أو الاستفهام المجرد!
والتحقيق البلاغي الصارم: صيغة "هل أنتم فاعلون كذا" في كلام العرب أبلغ وأقطع في النهي والزجر من صيغة "انتهوا"؛ لأن المعنى: قد تُليت عليكم كل هذه الفظائع والمفاسد، وقامت عليكم البراهين القاطعة، فهل بقي لكم عذر أو تردد بعد ذلك في الانتهاء؟! فهو استفهام توبيخي يقتضي الانتهاء الحاسم؛ ولذلك فهمه الصحابة فوراً فقالوا: «انتهينا يا رب!».
تخصيص الصلاة بالذكر بعد ذكر الله {وَعَنِ الصَّلَاةِ}: من باب عطف الخاص على العام لبيان شرف الصلاة وعظم خطرها؛ فالصلاة هي عماد الدين ورأس الذكر، فإذا صُد العبد عنها هلك بالكلية.
الحصر بـ {إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ}: حصر وتعرية لمخطط العدو اللدود؛ ليعلم المتعاطي للخمر والميسر أنه مجرد أداة ذليلة ينفذ بها الشيطان مؤامراته لتدمير المجتمع المسلم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الحفاظ على سلامة المجتمع ووحدة الصف الإسلامي، واجتناب كل ما يولد الشحناء والعداوة والبغضاء بين الإخوة.
تعظيم شأن الصلاة وذكر الله، وجعلهما مقياساً لسلامة التصرفات والممارسات اليومية.