تفسير الآثار في لعن بني إسرائيل على ألسنة الأنبياء:
أخرج الطبري (ج ١٠، ص ٥٨٤-٥٩٢)مصدر غير محدد١٠/٥٨٤ وابن أبي حاتم وابن كثير عن ابن عباس ومجاهد وعكرمة وقتادة والسدي:
{لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُودَ}: «لعنهم داود عليه السلام في الزبور لما اعتدوا في السبت وتحايلوا على أمر الله، فمسخوا قردة؛ وقيل: دعا عليهم لما عصوه».
{وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ}: «لعنهم عيسى عليه السلام في الإنجيل لما كفروا بعد نزول المائدة ومسخوا خنازير؛ ولما كذبوه وهموا بقتله؛ فدعا عليهم فحل بهم الغضب واللعن».
{ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ}: «ذلك الطرد والإبعاد واللعن والمسخ كان بسبب عصيانهم لأمر الله واعتدائهم وتجاوزهم لحدوده».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
لُعِنَ
اللعن هو الطرد والإبعاد من رحمة الله وكرامته.
عَلَىٰ لِسَانِ
أي بكلامهما ودعائهما المنصوص في كتبهما (الزبور والإنجيل).
بِمَا عَصَوا
الباء سببية، وما مصدرية؛ أي بسبب معصيتهم.
يَعْتَدُونَ
يتجاوزون الحدود المشروعة بالظلم والبغي والتحايل.
لُعِنَ
ماضٍ مبني للمجهول.
الَّذِينَ
اسم موصول مبني في محل رفع نائب فاعل.
كَفَرُوا
صلة الموصول لا محل لها.
مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ
متعلق بمحذوف حال من واو كفروا أو من الذين.
عَلَىٰ لِسَانِ
متعلق بلعن، ولسان مضاف، وداود مضاف إليه مجرور بالفتحة لمنعه من الصرف للعلمية والعجمة.
وَعِيسَى
معطوف مجرور بفتحة مقدرة منع من صرفه، وابن نعت ومريم مضاف إليه ممنوع من الصرف.
ذَٰلِكَ
مبتدأ.
بِمَا عَصَوا
الباء حرف جر، ما مصدرية، عصوا ماضٍ وفاعله، والمصدر المؤول في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلق بمحذوف خبر المبتدأ ذلك.
وَّكَانُوا
معطوف وكان واسمها.
يَعْتَدُونَ
مضارع والواو فاعل والجملة خبر كان.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إلزام الخصم بأن اللعنة حلت بهم على لسان أعظم أنبيائهم:
حجة دامغة لقطع دابر التفاخر العرقي؛ فبنو إسرائيل الذين يزعمون أنهم أحباء الله وشعب الله المختار، يبين القرآن لهم أن اللعنة الإلهية لم تنزل عليهم من رسول غريب عنهم، بل نزلت عليهم على لسان نبيين عظيمين من أصلابهم وأشرف أنبيائهم: داود الملك النبي، والمسيح عيسى بن مريم؛ فبطل افتخارهم بالقرابة وسقطت دعواهم الزائفة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
عدالة العقوبة الإلهية وارتباط اللعن بالعمل لا بالعنصر:
تبين الآية أصلاً محكماً في سنن الله: العقوبة الإلهية واللعنة ليست انتقاماً عشوائياً ولا عداوة عرقية، بل هي معللة بالسبب الشرعي والأخلاقي: {ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ}؛ فمن عصى واعتدى حلت به اللعنة ولو كان من نسل داود ويعقوب؛ ومن أطاع واتقى نال الكرامة ولو كان حبشياً أو فارسياً؛ فميزان الله قائم على العدل التام.