أخرج البخاري في "صحيحه" (رقم ٣٣٣٥ و ٦٨٦٧) ومسلم (رقم ١٦٧٧)مصدر غير محددحديث رقم ١٦٧٧ من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تُقتل نفس ظلماً إلا كان على ابن آدم الأول كِفْلٌ من دمها؛ لأنه أول من سنّ القتل».
وأخرج الطبري في "جامع البيان" (ج ١٠، ص ٧٨١-٧٩٥)جامع البيانالطبري١٠/٧٨١ وابن أبي حاتم وابن كثير (ج ٣، ص ٦٧-٧٢)مصدر غير محدد٣/٦٧صحيح بسند صحيح عن ابن عباس ومجاهد والسدي: أن ابني آدم هما قابيل وهابيل؛ كان هابيل صاحب غنم وماشية فقرب كبشاً سميناً من أطيب ماله لله، وكان قابيل صاحب زرع فقرب حزمة رديئة من شر زرعه؛ فنزلت نار بيضاء من السماء فأكلت قربان هابيل إشعاراً بقبوله، وبقي قربان قابيل لم تمسه النار دليلاً على رده؛ فامتلأ قلب قابيل غيظاً وحسداً وقال لأخيه: لأقتلنك كيلا تنكح أختي الحسناء وتفخر عليّ! فأجابه هابيل بكلمة التقوى الخالدة: {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ}.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
نَبَأَ
الخبر العظيم ذو الشأن البالغ الذي يلزم الوقوف عنده والاعتبار به.
بِالْحَقِّ
بالصدق واليقين المطابق للواقع بريئاً من خرافات وتحريفات أهل الكتاب.
قُرْبَانًا
ما يتقرب به العبد إلى الله تعالى من ذبيحة أو صدقة أو عمل صالح؛ وهو فعلان من القرب.
الْمُتَّقِينَ
الذين يتقون الشرك والمعاصي ويخلصون العمل لله ويؤدونه على الوجه المشروع.
وَاتْلُ
الواو استئنافية، اتلُ فعل أمر مبني على حذف حرف العلة (الواو) والفاعل مستتر.
عَلَيْهِمْ
متعلق باتلُ.
نَبَأَ
مفعول به منصوب، وابني مضاف إليه مجرور بالياء لأنه مثنى، وآدم مضاف إليه مجرور بالفتحة لمنعه من الصرف للعلمية والعجمة.
بِالْحَقِّ
جار ومجرور في محل نصب حال من نباً أو متعلق باتلُ.
إِذْ قَرَّبَا
إذ ظرف لما مضى متعلق بنبأ أو باتلُ، وجملة قربا مضاف إليها، والألف فاعل وقرباناً مفعول به.
فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا
فعل ماض مبني لما لم يُسمَّ فاعله، ونائب الفاعل ضمير مستتر يعود على القربان، ومن أحدهما متعلق بتقبل.
وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ
معطوف عليه.
قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ
اللام واقعة في جواب قسم مقدر، أقتلنك مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد في محل رفع، والكاف مفعول به، والجملة مقول القول.
إنما أداة حصر وقصر، يتقبل مضارع مرفوع، والله فاعل، ومن المتقين متعلق بيتقبل، والجملة مقول القول.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الربط التناسقي بين حسد بني إسرائيل وجريمة قابيل الأولى:
ارتباط باهر مع السياق السالف؛ فلما رفض بنو إسرائيل رسالة محمد صلى الله عليه وسلم بدافع الحسد لمجرد أن النبوة خرجت من أيديهم وصارت في ذرية إسماعيل؛ قال الله لنبيه: اتلُ عليهم نبأ قابيل وهابيل؛ ليروا أن مسلكهم هذا هو عين مسلك قابيل الذي حسد أخاه الصالح لما قُبل عمله دون عمله؛ فكان الحسد أصل أول جريمة سفك دم في تاريخ البشرية، ومحذراً إياهم من استمراء هذا الداء المهلك.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
قاعدة قبول العمل المحكمة {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ}:
يدفع الإشكال: استنبط أئمة التحقيق -كابن تيمية في "مجموع الفتاوى" وابن القيم- أصل قبول الأعمال في الإسلام: إن هابيل بيّن لأخيه برهاناً عقلياً رصيناً: إن كنت غاضباً من عدم قبول قربانك، فالذنب ذنبك أنت، لأنك لم تتقِ الله في قربانك بل قدمت الرديء رياءً وشهوة، والله غني طيب لا يقبل إلا الطيب وما ابتُغي به وجهه؛ فبدلاً من أن تصلح نيتك وتتقي ربك ليتقبل منك، وجهت سخطك وظلمك إلى من أطاع الله واتقاه!
أسلوب الحصر البليغ بـ {إِنَّمَا}: قصر قبول الأعمال على أهل التقوى قصر صفة على موصوف؛ وفيه هدوء الداعية ورسوخ يقينه، فلم يرد على تهديد القتل بتهديد مماثل، بل رد بنصيحة جامعة هادئة توقظ الضمير وتضع الإصبع على مكمن العلة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تطهير القلوب من داء الحسد والبغي، فإن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب ويدفع إلى أعظم الجرائم.
الاهتمام بإصلاح النيات وتجويد الأعمال طلباً للقبول، فالاعتبار عند الله بنقاء القلوب لا بضخامة المظاهر.