أخرج الطبري في "جامع البيان" (ج ١٠، ص ٨٧٦-٨٨٥)جامع البيانالطبري١٠/٨٧٦ وابن أبي حاتم وابن كثير (ج ٣، ص ٧٧-٧٩)مصدر غير محدد٣/٧٧ بأسانيد صحيحة عن ابن عباس ومجاهد وأبي وائل والحسن البصري وقتادة والضحاك والسدي: {وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ}: «أي القربة؛ تقربوا إلى الله بطاعته والعمل بما يرضيه، واجتنبوا مساخطه».
وروى البخاري في "صحيحه" (رقم ٦٥٠٢)مصدر غير محددحديث رقم ٦٥٠٢ من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في الحديث القدسي: «وما تقرب إليّ عبدي بشيء أحب إليّ مما افترضتُ عليه، وما يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه...».
وروى مسلم في "صحيحه" (رقم ٣٨٤)مصدر غير محددحديث رقم ٣٨٤ من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا عليّ... ثم سلوا الله لي الوسيلة؛ فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون أنا هو».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
الْوَسِيلَةَ
ما يُتوسل به إلى الشيء ويُتوصل به إلى مقصوده؛ وأصلها في لسان العرب: القربة والمنزلة العلية والوصلة، مأخوذة من وَسَلَ يَسِلُ وَسْلَةً إذا تقرب ورغب.
تُفْلِحُونَ
الفلاح هو الظفر بالمطلوب والنجاة من المرهوب، وأصله الشق والقطع ومنه سُمي الفلاح حارث الأرض.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
نداء للمؤمنين.
اتَّقُوا اللَّهَ
فعل أمر وفاعل ومفعول به.
وَابْتَغُوا
الواو عاطفة، ابتغوا فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعل.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المنظومة الثلاثية لتحقيق النجاة بعد أحكام الحدود:
بعد أن فصّل الله تعالى في الآيات السابقة حدود الدماء والحرابة وسائر الجنايات الزاجرة عن الفساد؛ التفت إلى أهل الإيمان ليضع بين أيديهم أركان الفلاح الثلاثة التي تصون المجتمع وتبني الروح:
{وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ}: بنصرة الدين والدفاع عن حمى الشريعة وبذل النفس والمال لإعلاء كلمة الله.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
دحض شبهة التوسل البدعي والشركي بالذوات والقبور:
يدفع الإشكال: استدل بعض المبتدعة بظاهر لفظ {وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ} على جواز دعاء الأموات والاستغاثة بأصحاب القبور وسؤالهم الحوائج بزعم أنهم "وسيلة" إلى الله؛ وهذا ضلال مبين رده أئمة المحققين -كابن تيمية في "قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة" وابن كثير والشنقيطي في "أضواء البيان"- بأقوى البراهين:
إجماع أئمة التفسير من الصحابة والتابعين (ابن عباس ومجاهد وقتادة والحسن) على أن "الوسيلة" في القرآن هي "العمل الصالح والطاعة المقربة إلى الله"؛ كالصلاة والصيام والزكاة والذكر؛ ولم يقل أحد من السلف قط إنها دعاء المخلوقين أو جعل وسائط بين العبد وربه.
إن جعل الوسائط بين الله وبين خلقه في الدعاء والرجاء هو عين صنيع مشركي قريش الذين حكى القرآن عنهم قولهم: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَىٰ}؛ فسماهم الله كفاراً كاذبين؛ فالتوسل المشروع ثلاثة أنواع لا رابع لها: التوسل بأسماء الله وصفاته، والتوسل بالعمل الصالح كقصة أصحاب الغار، والتوسل بدعاء الرجل الصالح الحي الحاضر؛ وما سوى ذلك فبدعة منكرة أو شرك أكبر منافٍ للتوحيد.
الترتيب البلاغي بين التقوى والوسيلة والجهاد: تقديم التقوى لأنها صمام الأمان والأساس الحامي للقلب؛ ثم ثنى بالوسيلة لأنها الزاد الروحي والتقرب الإيجابي؛ ثم ختم بالجهاد لأنه ذروة سنام الإسلام وأشق التكاليف؛ فالجهاد ثمرة التقوى وبرهان صدق الوسيلة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الاجتهاد في تنويع الطاعات والقربات من فرائض ونوافل وبذل في وجوه الخيرات، طلباً لمحبة الله ورضوانه.
اليقين بأن القرب من الله لا يُنال بالأنساب ولا بالأماني الجوفاء، بل بالتقوى والعمل الصالح الخالص الموافق للسنة.