أمر أهل الإنجيل بإقامة أحكامه في زمنهم والبشارة بمحمد:
أخرج الطبري (ج ١٠، ص ١٠٠٥-١٠١٣)مصدر غير محدد١٠/١٠٠٥ وابن كثير عن ابن عباس ومجاهد وقتادة: أمر الله أتباع عيسى في زمانهم أن يحكموا بما أنزل الله في الإنجيل من الشرائع والحدود والبشارة بمحمد صلى الله عليه وسلم والأمر باتباعه؛ فمن ترك الحكم بما أنزل الله فيه كذّب بعيسى وبمحمد وحق عليه وصف الفسق والخروج عن الطاعة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات والدلالات:
{الْفَاسِقُونَ}: الفسق هو الخروج عن أمر الله والتمرد على طاعته؛ وسُموا فاسقين لخروجهم عن حدود كتابهم وتحريفهم له.
الإعراب والتركيب وتوجيه القراءات المتواترة:
{وَلْيَحْكُمْ}:
قرأ الجمهور (نافع وعاصم وابن كثير والكسائي وأبو عمرو): {وَلْيَحْكُمْ} بسكون اللام وجزم الميم؛ اللام لام الأمر، يحكم مضارع مجزوم باللام.
وقرأ حمزة: {وَلِيَحْكُمَ} بكسر اللام ونصب الميم؛ واللام لام التعليل متعلقة بقوله في الآية السابقة {وَآتَيْنَاهُ الْإِنجِيلَ}؛ أي: وآتيناه الإنجيل ليحكم أهله بما أنزل الله فيه.
{فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}: الفاء رابطة، أولئك مبتدأ، وهم ضمير فصل، والفاسقون خبر المبتدأ، والجملة في محل جزم جواب الشرط.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إلزام كل أمة بالاحتكام إلى كتابها المنزل:
تناسق متكامل مع الآيات السابقة؛ فحين ذكر التوراة قال: {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ}؛ وحين ذكر القصاص والمساواة قال: {فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}؛ وحين ذكر الإنجيل قال: {فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}؛ لتكتمل أركان المذمة والوعيد لكل من تجاوز نصوص الوحي وعطل أحكام ربه.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
شبهة: هل تدل الآية على بقاء العمل بالإنجيل بعد بعثة محمد صلى الله عليه وسلم؟:
يدفع الإشكال: رد أئمة الإسلام والتحقيق -كالطبري وابن تيمية وابن كثير- هذه الشبهة بأوضح بيان:
الأمر في الآية كان متوجهاً لأهل الإنجيل في "عصرهم وفترتهم التاريخية قبل نزول القرآن الخاتم"؛ فكان فرضهم حينئذٍ أن يحكموا بالإنجيل دون تحريف.
وإن فُسرت فيمن أدرك بعثة محمد صلى الله عليه وسلم، فالمعنى: "وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه من وجوب الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم وتصديق نبوته واتباع قرآنه المهيمن"؛ لأن الإنجيل تضمن البشارة الصريحة والأمر الحاسم باتباع النبي الخاتم، فمن لم يحكم بذلك فقد كفر بالإنجيل وخرج عن طاعة ربه فكان من الفاسقين.
التنوع الإعجازي في الأوصاف الثلاثة (كافرون، ظالمون، فاسقون):
تنوع بياني دقيق؛ فالكفر لمن أنكر وجحد أصل التنزيل، والظلم لمن اعتدى في التطبيق وجار في القصاص والديات كصنيع اليهود، والفسق لمن خرج عن طاعة أوامر كتابه وتمرّد كصنيع النصارى في بدع الرهبانية والتثليث؛ فاستوعبت الأوصاف الثلاثة كافة أبعاد الجناية على الشريعة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
وجوب الانقياد المطلق لأوامر الوحي، والحذر من التمرد والفسوق عن حدود الله.
استيقان وحدة المصدر الإلهي للرسالات السماوية ووجوب اتباع خاتمها ومهيمنها القرآن العظيم.