وحديث البخاري المتقدم: أن نبينا محمداً صلى الله عليه وسلم يقول هذا القول بعينه يوم القيامة حين يرى أناساً من أمته يؤخذ بهم إلى النار: «فأقول كما قال العبد الصالح: {وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ ۖ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ ۚ وَأَنتَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ}».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
تَوَفَّيْتَنِي
توفيت الشيء إذا استوفيته تاماً كاملاً؛ ووفاة عيسى هنا رفعه ببدنه وروحه حياً إلى السماء استيفاءً لمدة مقامه في الأرض.
الرَّقِيبَ
الحافظ المطلع المراقب الذي لا يغيب عنه شيء من حركاتهم.
أمر مبني على حذف النون والواو فاعل والله مفعول به، والجملة تفسير للأمر.
رَبِّي وَرَبَّكُمْ
ربي بدل من لفظ الجلالة منصوب بفتحة مقدرة وربكم معطوف منصوب.
وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا
كان واسمها وخبرها، وعليهم متعلق بشهيداً.
مَّا دُمْتُ فِيهِمْ
ما مصدرية ظرفية، دمتم ماضٍ ناقص والتاء اسمها وفيهم خبرها؛ والمصدر المؤول ظرف زمان متعلق بشهيداً (أي مدة دوام كوني فيهم).
فَلَمَّا
الفاء عاطفة، لما ظرفية زمانية شرطية.
تَوَفَّيْتَنِي
ماضٍ والتاء فاعل والنون للوقاية والياء مفعول به.
كُنتَ
جواب شرط لما، كان واسمها.
أَنتَ
ضمير فصل، أو تأكيد لتاء الفاعل.
الرَّقِيبَ
خبر كان منصوب بالفتحة.
عَلَيْهِمْ
متعلق بالرقيب.
وَأَنتَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ
الواو استئنافية، أنت مبتدأ وشهيد خبر، وعلى كل متعلق بشهيد وشيء مضاف إليه.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إثبات الحجة وإخلاء عهدة الرسول في تبليغ التوحيد:
تفصيل صادق يبرئ ساحة المسيح عليه السلام؛ فبيّن أنه لم يزد على أمر ربه قيد أنملة، وأنه حصر دعوته في: {اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ}؛ وأنه قام بحراسة التوحيد مدة مقامه فيهم شهيداً ومصلحاً، فلما رفعه الله انقطعت صلته المباشرة بأعمالهم وصار الله وحده الرقيب عليهم؛ فسقطت كل دعوى تنسب إلى المسيح إقرار هذا الشرك.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
تحقيق معنى {تَوَفَّيْتَنِي} وإثبات رفع عيسى حياً إلى السماء ونزوله آخر الزمان:
يدفع الإشكال: تمسك بعض المنكرين كالقاديانية والملاحدة بلفظ {تَوَفَّيْتَنِي} للزعم بأن عيسى مات موتاً عادياً ولم يُرفع إلى السماء حياً!
والتحقيق العلمي لأئمة أهل السنة والجماعة (كابن جرير الطبري وابن كثير وابن تيمية):
الوفاة في لغة العرب تأتي لمعانٍ عدة:
وفاة الموت المعروف: كقوله تعالى {اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا}.
وفاة النوم: كقوله تعالى {وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِاللَّيْلِ}.
وفاة الاستيفاء والقبض التام: كقول العرب "توفيت مالي من فلان" أي قبضته واستوفيته كاملاً؛ وتوفي عيسى هنا هو استيفاء أجله في الأرض برفعه حياً بروحه وجسده إلى السماء مطهراً من كيد الكافرين، بنص قوله الصريح في سورة النساء: {وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ... بَل رَّفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ}؛ وتواترت الأحاديث النبوية الصحيحة في نزوله حياً في آخر الزمان ليحكم بشريعة محمد صلى الله عليه وسلم ويكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية.
الحصر بـ {مَا... إِلَّا}: أسلوب قصر يؤكد التقيد الحرفي بالأمر الإلهي، وأن الرسول أمين محض لا يتصرف من تلقاء نفسه.
التوكيد بضمير الفصل {كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ}: حصر الرقابة المحيطة التامة على السرائر والظواهر لله وحده؛ فالرسول شاهد على الظاهر في حياته، والله رقيب على القلوب والسرائر دائماً وأبداً.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
وضوح مهمة الداعية بالالتزام التام بالوحي دون زيادة ولا ابتداع.
استشعار رقابة الله الدائمة {وَأَنتَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ}، واليقين بأنه لا يعزب عن علمه مثقال ذرة.