تفسير الآثار في برهان العجز الذاتي للمعبودين من دون الله:
أخرج الطبري (ج ١٠، ص ٥٧٠-٥٧٥)مصدر غير محدد١٠/٥٧٠ وابن أبي حاتم وابن كثير عن ابن عباس ومجاهد والسدي: «يقول الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: قل لهؤلاء النصارى وغيرهم من المشركين: كيف تعبدون من دون الله الحق مخلوقاً ضعيفاً لا يملك لكم ولا لنفسه ضراً ولا نفعاً؟ فالمسيح لو أراد الله به ضراً لم يدفعه، ولا يقدر أن ينفع أحداً أو يضره إلا بمشيئة الله؛ فكيف يستحق العبادة من هو مسلوب القدرة الذاتية؟! والله وحده هو السميع لأقوالكم ودعائكم، العليم بنياتكم وخفايا صدوركم».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
مَا لَا يَمْلِكُ
استعملت "ما" لغير العاقل هنا تعميماً لكل معبود سوى الله (أصنام، كواكب، أموات، والمسيح من حيث كونه جسماً ومخلوقاً).
ضَرًّا وَلَا نَفْعًا
قدم الضر لأن دفع الضر مقدم في الفطر على جلب النفع؛ ولأن المشركين يرجون حماية آلهتهم من النوائب فعجزت.
متعلق بمحذوف حال من مفعول تعبدون، والله مضاف إليه.
مَا
اسم موصول مبني في محل نصب مفعول به لتعبدون.
لَا يَمْلِكُ
لا نافية، يملك مضارع مرفوع وفاعله مستتر، والجملة صلة الموصول.
لَكُمْ
متعلق بيملك أو بمحذوف حال من ضراً.
ضَرًّا
مفعول به منصوب بالفتحة.
وَلَا نَفْعًا
معطوف منصوب.
وَاللَّهُ
الواو استئنافية، الله مبتدأ.
هُوَ
ضمير فصل، أو مبتدأ ثانٍ.
السَّمِيعُ
خبر المبتدأ (أو خبر هو، والجملة خبر الله).
الْعَلِيمُ
خبر ثانٍ مرفوع بالضمة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
خاتمة المحاكمة المنطقية لدعوى ألوهية المسيح:
انتقال من بيان الطبيعة الفيزيائية للمسيح بأنه كان يأكل الطعام، إلى النتيجة المنطقية الحتمية: ما دام جسداً يأكل ويشرب ويحتاج، فهو عاجز عن تدبير الكون، ولا يملك ضراً ولا نفعاً لمخلوق قط؛ فالتوجه إليه بالعبادة جهل وسفاهة عقلية وسقوط في الشرك الصراح؛ فتعين إفراد الحي القيوم السميع العليم بالعبادة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تحقيق دلالة التعبير بـ "ما" دون "من" في {مَا لَا يَمْلِكُ}:
يدفع الإشكال: كيف يعبر بـ "ما" الموضوعة لغير العاقل والمخاطبون يعبدون المسيح وهو نبي كريم عاقل؟!
والتحقيق البلاغي والدلالي الراسخ:
التنكير والتحقير لوصف المعبودية المدعاة: نُزّل المعبود منزلة الجماد الذي لا عقل له ولا أثر في مقام الربوبية؛ لأن عجز المعبود عن النفع والضر يلحقه بالجمادات التي لا نفع فيها.
الاستغراق والشمول: أريد التعميم لكل ما يُعبد من دون الله أياً كان، صليباً أو وثناً أو شجراً أو إنساناً أو ملكاً.
الاستفهام الإنكاري التوبيخي في {أَتَعْبُدُونَ}: قرع للضمير الإنساني وتوبيخ للعقل الذي يتنازل عن فطرته ويتوجه بالخضوع لعاجز مثله.
التذييل بـ {السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}: السميع لنداء المضطرين وتضرعهم، العليم بحاجاتهم ومقاصدهم؛ وهو تعريض بالمعبودين الباطلين الذين لا يسمعون ولا يعلمون شيئاً.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
توجيه التوكل والدعاء والخوف والرجاء لله وحده، واليقين القاطع بأن الخلق جميعاً لو اجتمعوا على أن ينفعوا أحداً أو يضروه لم يقدروا على ذلك إلا بأمر الله.
التسلح بالبراهين الفطرية العقلية لإبطال الوثنية والتأليه البشري في شتى مظاهره الحديثة والقديمة.