أخرج البخاري في "صحيحه" (رقم ٢٣٣ و ١٥٠١ و ٤٦١٠) ومسلم (رقم ١٦٧١)مصدر غير محددحديث رقم ١٦٧١ من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه: أن نفراً من عُكْل أو عُرَيْنَة قدموا المدينة على رسول الله صلى الله عليه وسلم وتكلموا بالإسلام وقالوا: يا نبي الله إنا كنا أهل ضرع ولم نكن أهل ريف، واستوخموا المدينة فسقمت أجسامهم، فأمر لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بذَوْدٍ (إبل صدقة) وبراعٍ، وأمرهم أن يخرجوا فيها فيشربوا من ألبانها وأبوالها؛ فصحّوا وسمنوا، فقتلوا راعي رسول الله صلى الله عليه وسلم واستاقوا الذود وارتدوا عن الإسلام؛ فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم في آثارهم فأُتي بهم؛ فقطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم وتركهم في الحَرّة يستسقون فلا يُسقون حتى ماتوا؛ فنزلت هذه الآية الكريمة بياناً لحد الحرابة وقطع الطريق.
تفسير التنويع والتخيير في العقوبات:
أخرج الطبري (ج ١٠، ص ٨٤٦-٨٦٥)مصدر غير محدد١٠/٨٤٦ وابن أبي حاتم والشافعي في "الأم" عن ابن عباس رضي الله عنهما في قطاع الطريق: «إذا قتلوا وأخذوا المال: قُتّلوا وصُلبوا؛ وإذا قتلوا ولم يأخذوا المال: قُتّلوا ولم يُصلبوا؛ وإذا أخذوا المال ولم يقتلوا: قُطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف (اليد اليمنى والرجل اليسرى)؛ وإذا أخافوا السبيل ولم يقتلوا ولم يأخذوا مالاً: نُفوا من الأرض».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
يُحَارِبُونَ
المحاربة هي المبارزة والمنازعة المسلحة، ومحاربة الله ورسوله: إشهار السلاح وإخافة السبيل وقطع الطرق والتمرد على أحكام الشريعة.
يُصَلَّبُوا
الصلب هو ربط الجاني وعرضه على خشبة مشدوداً ليشاهده الناس ردعاً وزجراً.
مِّنْ خِلَافٍ
أن يُقطع العضو من جانب والآخر من الجانب المخالف؛ فتقطع يده اليمنى ورجله اليسرى.
يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ
النفي هو الإبعاد والإقصاء؛ وفسره الفقهاء بالحبس والتشريد من بلد إلى بلد حتى يتوب.
إِنَّمَا
كافة ومكفوفة تفيد القصر والحصر.
جَزَاءُ
مبتدأ مرفوع بالضمة.
الَّذِينَ يُحَارِبُونَ
الذين مضاف إليه، وجملة يحاربون صلة الموصول، واسم الجلالة مفعول به ورسوله معطوف عليه.
وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا
معطوف على يحاربون، وفي الأرض متعلق بيسعون، وفساداً مفعول لأجله أو مفعول مطلق نائب عن المصدر أو حال.
أَن يُقَتَّلُوا
أن وما في حيزها في تأويل مصدر خبر المبتدأ (جزاء)، يقتلوا مضارع مبني للمجهول منصوب والواو نائب فاعل.
أَوْ يُصَلَّبُوا...
معطوفات بأو على يقتلوا، و"أو" هنا للتوزيع والتفصيل بحسب الجريمة عند جمهور الفقهاء، وقيل للتخيير بيد الإمام.
مِّنْ خِلَافٍ
متعلق بمحذوف حال من الأيدي والأرجل.
ذَٰلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا
اسم إشارة مبتدأ، لهم متعلق بمحذوف خبر مقدم، خزي مبتدأ مؤخر، وفي الدنيا نعت، والجملة الاسمية خبر ذلك.
وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ
معطوف عليه.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إرساء المنظومة الجنائية لحماية أمن المجتمع:
بعد أن قرر في الآية السابقة القاعدة العامة في حرمة الدماء وقدسية النفس؛ شرع هنا في إرساء "القوانين الرادعة" لحماية هذه الحرمة من عصابات السطو المسلح والإرهاب وقطع الطرق؛ فسنّ حد الحرابة الصارم لحماية الأنفس والأموال وسبل المعيشة من عبث المفسدين والخارجين على النظام العام.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة قسوة حد الحرابة ودلالة "أو" في العقوبات:
يدفع الإشكال: حرر فقهاء الإسلام -كأبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وابن تيمية- أبعاد هذا الحد ومقاصده:
إن الجرأة على إشهار السلاح وإخافة الآمنين وسلب أموالهم وهتك أعراضهم تقويض لأركان الدولة والمجتمع، والعقوبة الرادعة الشديدة هي السبيل الوحيد لحقن دماء الملايين وحفظ الأمن الجماعي؛ فالرحمة بالمجتمع مقدمة على الرحمة بالجاني الباغي.
معتمد جمهور الصحابة والفقهاء أن "أو" في الآية ليست لتشهي الحاكم واختياره العبثي، بل هي "لتوزيع العقوبة بحسب جسامة الجريمة" ومقدار المفسدة، تحقيقاً للعدل المطلق وموازين الجنايات؛ فالقتل والصلب لمن قتل وسلب، والقطع لمن سلب فقط، والنفي لمن أخاف السبيل دون دم ومال.
المجاز العظيم في {يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ}: استعارة تمثيلية بالغة التهويل؛ فالله تعالى لا يُحارب ولا يُغالب، ولكن لما كان قطع الطريق إهداراً لشريعة الله ومحاربة لأوليائه الآمنين؛ نزل ذلك منزلة المحاربة المباشرة لذات الله ولرسوله؛ للدلالة على أقصى درجات الغلظة والشناعة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
وجوب حفظ الأمن العام والضرب بيد من حديد على عصابات الإجرام والإرهاب والترويع.
الجمع بين صرامة العدل الجنائي في الدنيا واليقين بأن الخزي الدنيوي لا يرفع العذاب الأخروي إلا بتوبة صادقة.