سبب النزول وسياق قصة تميم الداري وعدي بن بداء وبديل بن أبي مريم:
أخرج البخاري في "صحيحه" (رقم ٢٧٨٠)مصدر غير محددحديث رقم ٢٧٨٠ والترمذي (رقم ٣٠٥٩ وصححه) وأبو داود وابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما: «خرج رجل من بني سهم يقال له بُديل بن أبي مريم تاجراً إلى الشام ومعه تميم الداري وعدي بن بداء (وكانا نصرانيين قبل أن يسلم تميم)، فمرض السهمي بالشام فكتب وصيته في صحيفة ودسها في متاعه ولم يعلمهما بها، ثم أوصى إليهما بمتاعه ليوصلاه إلى أهله بالمدينة، ومات؛ فلما قدما على أهله دفعا المتاع وفقدوا إناءً من فضة مخوصاً بالذهب (جاماً من فضة)، فسألوهما عنه فقالا: هذا الذي دفع إلينا وما باع شيئاً وما كتمنا؛ فرفعوهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله هذه الآيات: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ... فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ...}، فحلفهما رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد صلاة العصر عند المنبر بالله ما أخذنا ولا كتمنا، فخلّى سبيلهما؛ ثم وُجد الإناء بمكة عند أناس ابتاعوه منهما، فقام رجلان من أولياء الميت فحلفا أن الإناء للميت، فقضى به النبي صلى الله عليه وسلم لأولياء السهمي».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ
ما يُستشهد به لإثبات الوصية والتركة عند الموت في السفر.
ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ
رجلان مسلمان عدلان من أهل ملتكم.
أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ
رجلان من غير أهل ملتكم (أي من أهل الكتاب) عند الضرورة في السفر.
ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ
سافرتم للتجارة وغيرها.
تَحْبِسُونَهُمَا
توقفونهما وتستبقونهما لأداء اليمين المؤكدة.
مِن بَعْدِ الصَّلَاةِ
بعد صلاة العصر، حيث تجتمع الناس وتغلظ الأيمان.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
نداء للتشريع القضائي.
شَهَادَةُ
مبتدأ مرفوع بالضمة وهو مضاف، وبينكم مضاف إليه مبني في محل جر (أو مضاف إلى شهادة بحذف مضاف؛ أي شهادة ذوي بينكم).
إِذَا حَضَرَ
إذا ظرفية شرطية، حضر ماضٍ، وأحدكم مفعول به مقدم، و{الْمَوْتُ} فاعل مؤخر.
حِينَ الْوَصِيَّةِ
ظرف زمان بدل من إذا أو متعلق بحضر، والوصية مضاف إليه.
اثْنَانِ
خبر المبتدأ شهادة مرفوع بالألف لأنه ملحق بالمثنى (أي شهادة بينكم أن يشهد اثنان)، أو فاعل للمصدر شهادة.
ذَوَا
نعت لاثنان مرفوع بالألف وهو مضاف، و{عَدْلٍ} مضاف إليه.
لو وصلية، كان واسمها مستتر وذا خبرها منصوب بالألف وقربى مضاف إليه.
وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ
معطوف على مقول القسم.
إِنَّا إِذًا لَّمِنَ الْآثِمِينَ
إن واسمها، إذاً حرف جواب وجزاء، اللام المزحلقة، والآثمين متعلق بمحذوف خبر إن مجرور بالياء.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إحكام قواعد القضاء وحفظ الحقوق المالية للأموات والورثة في الأسفار:
تشريع استثنائي دقيق في غاية الإعجاز والعدالة؛ بعد أن نظّم أحكام الأيمان والحدود، عالج هنا نازلة قضائية بالغة الحساسية تقع كثيراً في الأسفار: حين يموت المرء بعيداً عن أهله وبلده وماله بين يدي غرباء؛ فشرع الله نظام الإشهاد المشدد وتغليظ الأيمان عند الشك؛ لضمان وصول التركات لأصحابها وقطع دابر الخيانة حتى لو كان الشهود من غير المسلمين عند الضرورة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تحقيق مسألة شهادة أهل الذمة {أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ} والنسخ:
يدفع الإشكال: الأصل في الشريعة رد شهادة غير المسلم لقوله {مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ}، فكيف قبلت شهادة غير المسلمين هنا؟!
والتحقيق الفقهي الأصولي المحكم:
مذهب الإمام أحمد وفقهاء الحديث (وهو مذهب ابن عباس وأبي موسى الأشعري): الآية محكمة غير منسوخة، وتعتبر استثناءً شرعياً للضرورة؛ فيجوز قبول شهادة أهل الذمة في "الوصية في السفر فقط إذا لم يوجد مسلمان"؛ صيانة لحقوق الميت وأموال الورثة من الضياع، مع تغليظ اليمين عليهما بعد الصلاة.
مذهب الجمهور (الشافعي ومالك وأبي حنيفة): رأوا أن الشهادة هنا منسوخة أو مؤولة بغير عشيرتكم، ولكن مذهب أحمد أقوى استدلالاً وألصق بظاهر القرآن وسبب النزول الثابت في البخاري.
التغليظ الزماني في {مِن بَعْدِ الصَّلَاةِ}: اختيار وقت صلاة العصر لشهود ملائكة الليل والنهار ولأن النفس تكون في ختام يومها مقبلة على التوبة خائفة من الزور.
إضافة الشهادة إلى الله في {شَهَادَةَ اللَّهِ}: تعظيم للأمانة؛ لتذكير الشاهد بأنه لا يشهد للآدمي بل يؤدي شهادة الله التي أمره بحفظها، فإن كتمها كان من الآثمين الهالكين.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المبادرة إلى كتابة الوصية والإشهاد عليها عند السفر والمرض، وعدم إهمال حقوق الورثة.
عظم شأن اليمين والشهادة، والحذر من بيع الشهادة بالقرابة أو الحطام الدنيوي الزائل.