سبب النزول وسياق استهزاء اليهود والمشركين بالأذان:
أخرج الطبري في "جامع البيان" (ج ١٠، ص ٤٤١-٤٤٧)جامع البيانالطبري١٠/٤٤١ وابن أبي حاتم وابن كثير عن السدي ومجاهد وقتادة وعروة بن الزبير: «كان المؤذن إذا نادى بالأذان وقام المسلمون إلى الصلاة، ضحك اليهود والمنافقون وتغامزوا وقالوا: لقد قاموا يتطامنون لا ندري لأي شيء يصلون! ويتضاحكون على الأذان والركوع والسجود».
وروى ابن جرير عن السدي: «كان رجل من نصارى المدينة إذا سمع المؤذن يقول: أشهد أن محمداً رسول الله، قال: حُرّق الكاذب! فدخلت خادمة له ذات ليلة بنار وهو نائم، وسقطت شرارة في البيت فاحترق البيت واحترق هو وأهله؛ فأنزل الله تعالى: {وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا...}».
مشروعية الأذان وفضله العظيم في السنة النبوية:
دلت الآية على مشروعية الأذان؛ وقد أخرج البخاري (رقم ٦٠٤)مصدر غير محددحديث رقم ٦٠٤ ومسلم (رقم ٣٨٩)مصدر غير محددحديث رقم ٣٨٩ عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا نودي للصلاة أدبر الشيطان وله ضراط حتى لا يسمع التأذين، فإذا قضي النداء أقبل...».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
نَادَيْتُمْ
الأذان والدعاء إلى الصلاة بالصوت المرتفع المعهود.
اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا
جعلوا الصلاة والأذان موضع سخرية ومزاح ولهو.
لَّا يَعْقِلُونَ
سُلب عنهم العقل الرشيد الذي يدرك حقائق التوحيد وعظمة الوقوف بين يدي الله؛ فحرموا بركة الفهم.
وَإِذَا
الواو عاطفة، إذا ظرف لما يستقبل من الزمان خافض لشرطه منصوب بجوابه.
نَادَيْتُمْ
ماضٍ مبني على السكون والتاء فاعل، والجملة في محل جر بالإضافة لإذا.
إِلَى الصَّلَاةِ
متعلق بناديتم.
اتَّخَذُوهَا
جواب شرط إذا لا محل له، اتخذوا ماضٍ وفاعله والهاء مفعول أول عائد على الصلاة أو المناداة.
هُزُوًا
مفعول ثانٍ لاتخذوا منصوب.
وَلَعِبًا
معطوف على هزواً.
ذَٰلِكَ
اسم إشارة مبتدأ، واللام للبعد والكاف للخطاب.
بِأَنَّهُمْ
الباء سببية حرف جر، أنّ حرف توكيد ونصب والهاء اسمها.
قَوْمٌ
خبر أنّ مرفوع.
لَّا يَعْقِلُونَ
لا نافية، يعقلون مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، والجملة الفعلية في محل رفع نعت لقوم؛ والمصدر المؤول من أن واسمها وخبرها في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلق بمحذوف خبر اسم الإشارة ذلك.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تخصيص الصلاة والأذان بالذكر لبيان شناعة جرمهم:
بعد أن ذكر بصورة عامة أنهم اتخذوا الدين هزواً ولعباً، فصّل هنا أعظم شعائر الدين الظاهرة وهي "الصلاة والنداء إليها"؛ لأن الأذان إعلان صريح للتوحيد وتكبير الله وإفراد العبودية، والصلاة قمة الخشوع والخضوع؛ فكونهم يستهزئون بأعظم مظهر من مظاهر تعظيم الخالق برهان على موت قلوبهم وسقوط عقولهم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
حقيقة نفي العقل عن الكفار والمستهزئين {ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ}:
يدفع الإشكال: قد يقول قائل: كيف ينفي الله العقل عنهم وهم دهاة في التجارة والسياسة وفنون الدنيا؟!
والجواب العقلي المحكم: القرآن ينفي عنهم "عقل الرشد والاهتداء والتكليف النافع"، ويثبت لهم "عقل المعاش والإدراك الحسي المجرد"؛ فالعقل الحقيقي ما عصم صاحبه من المهالك وقاده إلى معرفة ربه وخالقه؛ أما من وظف ذكاءه في السخرية من الحق والاستهزاء بالخالق، فقد تعطلت عنده وظيفة العقل الكبرى وصار كالحيوان العجم بل أضل سبيلاً.
التعبير بـ {نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ}: رفعة لشأن الأذان وعلو صوته في الآفاق؛ واستعمال كلمة "قوم" مع نفي العقل {قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ} إشعار بأن الحماقة والجهل صارا سجية راسخة ومزاجاً جمعياً فيهم تتوارثه طائفتهم.
بيان المفارقة العقلية: كيف يضحك عاقل من دعوة تتضمن: الله أكبر، لا إله إلا الله، حي على الصلاة، حي على الفلاح؟! إن الضحك من هذا لا يصدر إلا عن فاقد للبصيرة والعقل.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تعظيم شعيرة الأذان والصلاة، وإجلال صوت الحق عند سماع النداء، والتجاوب الفوري معه.
إدراك أن سخرية الملحدين والعلمانيين من شعائر العبادة (كالحج والصلاة واللحية والحجاب) نابعة من خلل إدراكي وعته عقلي مركب، فلا يلتفت المؤمن لسخريتهم بل يزداد بها ثباتاً واعتزازاً.