سبب النزول وسياق محاكمة أهل الكتاب في عداوتهم لأهل التوحيد:
أخرج ابن جرير الطبري (ج ١٠، ص ٤٤٨-٤٥٢)مصدر غير محدد١٠/٤٤٨ وابن أبي حاتم وابن إسحاق عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «أتى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم نفرٌ من يهود: رافع بن حارثة، وزيد بن تابوت، وبحري بن عمرو، ونعمان بن أبي أوفى، فسألوه: بم تؤمن ومن تتبع من الرسل؟ فقال: نؤمن بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون؛ فلما ذكر عيسى قالوا: لا نؤمن بعيسى ولا نؤمن بمن آمن به! فأنزل الله تعالى فيهم: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ}».
وروى الطبري عن قتادة ومجاهد: «هل تعيبون منا وتكرهون منا وتطعنون علينا إلا إيماننا بالله وبكتبه ورسله؟ فما هذا بعيب يُنقم، بل هو الفخر والشرف؛ ولكنكم قوم فسقتم عن أمر الله فكرهتم من أطاع الله».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
تَنقِمُونَ
النقمة والنقم: الكراهية والإنكار والطعن والعتاب المؤدي إلى العقوبة؛ نقَم ينقِم وينقَم إذا عاب وكره.
إِلَّا أَنْ آمَنَّا
استثناء مفرغ، وهو من أسلوب تأكيد المدح بما يشبه الذم.
فَاسِقُونَ
خارجون عن طاعة الله، متمردون على كتبهم وأنبيائهم.
قُلْ
فعل أمر والفاعل مستتر.
يَا أَهْلَ الْكِتَابِ
يا حرف نداء، أهل منادى مضاف منصوب، والكتاب مضاف إليه.
هَلْ
حرف استفهام إنكاري توبيخي.
تَنقِمُونَ
مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل.
مِنَّا
متعلق بتنقمون.
إِلَّا
أداة استثناء وحصر.
أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ
أن مصدرية، آمنّا ماضٍ وفاعله، والمصدر المؤول في محل نصب مفعول به لتنقمون؛ أي: هل تكرهون منا إلا إيماننا.
وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا
معطوف على لفظ الجلالة في محل جر (أو معطوف على المصدر المؤول؛ أي وإلا إيماننا بما أنزل إلينا)، وجملة أنزل صلة الموصول ونائب الفاعل مستتر.
وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلُ
معطوف على ما أنزل إلينا.
وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ
الواو عاطفة، أنّ حرف توكيد ونصب وأكثركم اسمها وفاسقون خبرها مرفوع بالواو؛ والمصدر المؤول معطوف على المصدر المؤول "أن آمنا"؛ والتقدير: تنقمون منا إيماننا وتمرّدكم وفسقكم؛ أي أن فسقكم هو الذي حملكم على عداوتنا وإنكار إيماننا.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع المحاجة البيانية في كشف دوافع العداء الديني:
انتقال بارع من النهي عن موالاتهم وفضح استهزائهم بالصلاة، إلى تلقين النبي صلى الله عليه وسلم الحجة الدامغة لإلجامهم؛ فبينت الآية أن نقمة أهل الكتاب وعداوتهم للمسلمين ليست لخلل أخلاقي أو جور قضائي، بل لعين الفضيلة وكمال الإيمان والتصديق بالكتب السماوية؛ فصار عداؤهم شهادة كمال لأهل الإسلام وفضيحة لفسق المعاندين.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
تحقيق دلالة عطف {وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ} ودفع الإشكال النحوي والدلالي:
يدفع الإشكال: كيف يُنقم فسقهم هم في قوله {وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ}، وهل ينقم الإنسان فسق نفسه؟!
والتحقيق العلمي الراسخ الذي قرره سيبويه والفراء والزجاج وابن جرير الطبري والزمخشري:
أو التقدير: هل تنقمون منا إيماننا واعتقادنا أن أكثركم فاسقون؟ فلما صار اعتقاد المسلمين بفسق المبدلين معلناً، نقم أهل الكتاب ذلك وغضبوا منه. وكلا المعنيين حق محكم في تشخيص نفسية أعداء الملة.
وهو من أرقى فنون البلاغة العربية، كقول النابغة: «ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب»؛ فجعل الإيمان بالله وكتبه مستثنى من النقمة، والمخاطب يعلم أن الإيمان ليس عيباً، فكأنه قال: لا عيب فينا بوجه من الوجوه، فإن كان الإيمان عيباً فهو عيبنا الوحيد!
الاحتراز الدقيق في {وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ}: لم يقل "وأنكم كلكم فاسقون"، بل قال "أكثركم"؛ إنصافاً للقلة المؤمنة منهم كعبد الله بن سلام والنجاشي رضي الله عنهما؛ وهذا ميزان العدل القرآني الصارم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
ثبات المؤمن واعتزازه بدينه عند تعرضه لحملات التشويه من أعداء الملة، واليقين بأن كراهيتهم له شهادة على صحة منهجه.
التزام الإنصاف والموضوعية عند نقد الخصوم وعدم التعميم الجائر، اقتداءً بالقرآن في قوله: {أَكْثَرَكُمْ}.