أخرج الطبري (ج ١٠، ص ٥٥٩-٥٦٩)مصدر غير محدد١٠/٥٥٩ وابن أبي حاتم وابن كثير عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي في قوله: {مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ}: «أي ليس هو بإله كما تزعمون، بل هو عبد من عباد الله ورسول من جنس الرسل الذين سبقوه يوحى إليه، فكما أن من قبله من الرسل بشر ماتوا وخلت أزمانهم فكذلك عيسى».
{وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ}: «أي مصدقة بكلمات ربها وكتبه، بالغة في الصدق غايته، وليست بإلهة ولا نبية؛ بل من كمل نساء العالمين بالصديقية؛ كقوله تعالى: {وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ}».
{كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ}: «أي يحتاجان إلى الغذاء لقيام البنية ودفع الجوع، وما ينتج عن أكل الطعام من الثقل والحدث والحاجة إلى الخلاء ودفع الأذى؛ ومن كان محتاجاً إلى الطعام مفتقراً إلى دفعه والتردد إلى الخلاء لا يكون إلهاً بحال؛ فالإله غني صمد لا يحتاج إلى طعام ولا شراب».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
صِدِّيقَةٌ
صيغة مبالغة من الصدق والتصديق، وهي أعلى مراتب الولاية بعد رتبة النبوة.
يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ
كناية قطعية عن البشرية والافتقار والحدوث والحدث.
يُؤْفَكُونَ
الإفك الصرف والانقلاب عن الحق إلى الباطل والضلال والكذب.
مَّا
نافية مهملة تفيد الحصر مع إلا.
الْمَسِيحُ
مبتدأ مرفوع بالضمة، وابن نعت ومريم مضاف إليه مجرور بالفتحة.
إِلَّا
أداة حصر.
رَسُولٌ
خبر المبتدأ مرفوع بالضمة.
قَدْ خَلَتْ
قد حرف تحقيق، خلت ماضٍ والتاء للتأنيث، والفاعل {الرُّسُلُ} المؤخر، ومن قبله متعلق بخلت، والجملة في محل رفع نعت لرسول.
وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ
الواو عاطفة، أمه مبتدأ وصديقة خبره مرفوع.
كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ
كان واسمها (ألف الاثنين)، يأكلان مضارع والفاعل الألف والطعام مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب خبر كان، والجملة استئنافية للتعليل والبرهان الحسي.
انظُرْ
فعل أمر للتعجيب والفاعل مستتر.
كَيْفَ
اسم استفهام في محل نصب حال.
نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ
نبين مضارع والفاعل مستتر ولهم متعلق بنبين والآيات مفعول به منصوب بالكسرة؛ والجملة سدت مسد مفعولي انظر (وهي رؤية قلبية تفكرية).
ثُمَّ انظُرْ
ثم حرف عطف للتراخي الرتبي والدلالة على التعجب، انظر أمر ثانٍ.
أَنَّىٰ
اسم استفهام بمعنى كيف في محل نصب حال.
يُؤْفَكُونَ
مضارع مبني للمجهول والواو نائب فاعل، والجملة سدت مسد مفعولي انظر الثانية.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إقامة البرهان الحسي والعقلي القاطع على بشرية عيسى وأمه:
قمة الإفحام والإلزام؛ بعد أن ذكر مقالاتهم الشركية ونقضها بالنصوص، أقام هنا برهاناً حسياً يشاهده كل إنسان ولا يماري فيه عاقل: وهو أن المسيح وأمه كانا يحتاجان إلى أكل الطعام للبقاء والنمو؛ والإله الحق هو الصمد الغني عن كل ما سواه، فكيف يكون إلهاً من تتقاذفه الحاجات وتضطره الأمعاء إلى الغذاء ويحتاج إلى التخلص من الفضلات؟! ثم عجب سبحانه من انصراف عقولهم عن هذا البرهان الحسي الجلي!
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
تحقيق دلالة وصف مريم بالصديقية والرد على القائلين بنبوة النساء:
يدفع الإشكال: ذهب بعض أهل العلم (كابن حزم والقرطبي) إلى نبوة مريم عليها السلام لقول الملائكة لها {يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ}؛ وحقق جمهور السلف والأئمة (كابن كثير والنووي وابن تيمية):
مريم عليها السلام "صديقة" وليست نبية؛ بدليل هذه الآية الصريحة: {وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ}؛ فلو كانت نبية لذكرها الله بأشرف أوصافها وهو النبوة في مقام التبجيل والمدح، كما قال عن ابنها {إِلَّا رَسُولٌ}؛ فلما قرن رسالته بصديقيتها دل قطعاً على أنها لم تنل رتبة النبوة، وإنما نالت ذروة الصديقية والولاية؛ وقد قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُّوحِي إِلَيْهِم}.
الكناية الإعجازية في {كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ}: من أرفع أساليب الكناية القرآنية المهذبة؛ كنّى بأكل الطعام عن البراز والبول والحاجة إلى الخلاء ونقص البنية؛ تنزيهاً للفظ القرآني مع تأدية المعنى الحاسم في استحالة الألوهية لمن يفتقر إلى الطعام والشراب.
تكرار الأمر بالنظر والتعجيب {انظُرْ... ثُمَّ انظُرْ}: استعمال "ثم" للتفاوت الشديد بين وضوح البراهين الإلهية وعمق الضلال والانقلاب الفكري عند هؤلاء المكابرين.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
توظيف الأدلة العقلية والفطرية البسيطة والبديهية في حسم أكبر المنازعات الفكرية والعقدية.
إنزال الصالحين منازلهم التي أنزلهم الله إياها بالحب والتبجيل دون غلو يرفعهم إلى خصائص الربوبية.