وقد حرر أئمة التفسير المسند (ابن جرير الطبري في «جامع البيان»، وابن كثير في «تفسير القرآن العظيم»، والبغوي في «معالم التنزيل»):
تفسير تفويض عيسى وتلاوة النبي صلى الله عليه وسلم لهذه الآية وبكائه:
أخرج مسلم في "صحيحه" (رقم ٢٠٢)مصدر غير محددحديث رقم ٢٠٢ عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما: «أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا قول الله عز وجل في إبراهيم: {رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ ۖ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي ۖ وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}، وقال عيسى عليه السلام: {إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ ۖ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}، فرفع يديه وقال: "اللهم أمتي أمتي!"، وبكى، فقال الله عز وجل: يا جبريل، اذهب إلى محمد -وربك أعلم- فسله ما يبكيك؟ فأتاه جبريل فسأله، فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قال، فقال الله: "يا جبريل، اذهب إلى محمد فقل: إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوؤك"».
وأخرج أحمد والترمذي (رقم ٣٠٥٠)مصدر غير محددحديث رقم ٣٠٥٠ والنسائي وابن ماجه عن أبي ذر رضي الله عنه قال: «قام رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة حتى أصبح بآية واحدة يكررها ويركع بها ويسجد بها، وهي قوله تعالى: {إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ ۖ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}، فلما أصبح قلت: يا رسول الله، بت تقرأ هذه الآية ترددها حتى أصبحت! قال: إني سألت ربي الشفاعة لأمتي فأعطانيها، وهي نائلة إن شاء الله من لا يشرك بالله شيئاً».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
عِبَادُكَ
العبيد ملك خالص لك تتصرف فيهم بعدلك ومشيئتك ولا حجة لأحد عليك.
الْعَزِيزُ
الغالب القاهر الذي لا يمتنع منه شيء، فإن غفر لم يكن ذلك عن عجز ولا اضطرار بل عن قدرة وعزة.
الْحَكِيمُ
الذي يضع كل شيء في موضعه اللائق به بحكمة وعدل.
إِن
حرف شرط جازم.
تُعَذِّبْهُمْ
مضارع مجزوم فعل الشرط، والفاعل مستتر والهاء مفعول به.
فَإِنَّهُمْ
الفاء رابطة لجواب الشرط، إن واسمها.
عِبَادُكَ
خبر إن مرفوع والكاف مضاف إليه؛ والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط.
وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ
شرط وجوابه، ولهم متعلق بتغفر.
فَإِنَّكَ
الفاء رابطة لجواب الشرط، إن واسمها.
أَنتَ
ضمير فصل لا محل له، أو مبتدأ ثانٍ.
الْعَزِيزُ
خبر إن مرفوع بالضمة (أو خبر أنت).
الْحَكِيمُ
خبر ثانٍ لإن مرفوع؛ والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ذروة الأدب النبوي وتفويض المشيئة للرب المالك القادر:
قمة من قمم البلاغة والأدب في القرآن العظيم؛ لم يجترئ عيسى عليه السلام على الاستغفار الصريح للمشركين لأنه يعلم أن الله قضى ألا يغفر للمشرك، ولم يقل "فإنك غفور رحيم" لئلا يوهم الطمع في مغفرة الشرك، بل فوض الأمر لله رداً للأمر إلى كمال الملك والعدل: إن عذبتهم فبعدلك لأنهم عبيدك وأنت مالكهم المطلق تفعل ما تشاء، وإن غفرت لمن تاب منهم أو لمن يستحق المغفرة فأنت العزيز الذي لا تنقص مغفرتك من سلطانك، الحكيم في تدبيرك وقضائك.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
تحقيق دلالة {وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ} وعدم تعارضها مع حرمة مغفرة الشرك:
يدفع الإشكال: كيف قال عيسى {وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ} والله تعالى يقول {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ}؟!
والتحقيق الأصولي والعقدي لأئمة التفسير (كالطبري وابن تيمية وابن كثير):
التعليق على شرط لا يقتضي الوقوع: الشرط يعبر عن تفويض المطلق للقدرة الإلهية كما قال إبراهيم {وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}؛ وليس طلباً لمغفرة من مات مشركاً؛ لأن المشرك محكوم عليه بالخلود في النار بنص الآية ٧٢ في السورة عينها {إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ}، وعيسى هو القائل لها.
المراد بمن تاب منهم وآمن قبل موته: أي إن تغفر لمن أناب منهم إلى التوحيد قبل مفارقة الحياة.
تفويض الأدب المحض: إظهار أن الأمر كله لله؛ لو عذب الخلق كلهم لم يكن ظالماً، ولو غفر لمن يشاء لم يكن لأحد معارضة حكمه؛ فجاء التذييل بـ {الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} صريحاً في العدول عن الترحم المباشر إلى التفويض العبودي لجلال العزة والحكمة.