أخرج الطبري في "جامع البيان" (ج ٩، ص ٥٣٦-٥٥٠)جامع البيانالطبري٩/٥٣٦ وابن أبي حاتم وابن المنذر عن الشعبي وعكرمة وقتادة: لما حرّم الله الميتة وما أكل السبع؛ جاء عدي بن حاتم الطائي وزيد بن مهلهل الطائي (زيد الخيل) إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالا: يا رسول الله، إنا قوم نصيد بالكلاب والبزاة، وإن كلابنا تصيد البقر والظباء وحمر الوحش، فمنه ما ندرك ذكاته ومنه ما يقتله الكلب فلا ندرك ذكاته، وقد حرم الله الميتة فماذا أحل لنا منها؟ فأنزل الله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ ۖ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ}.
وروى البخاري في "صحيحه" (رقم ١٧٥ و ٥٤٧٥) ومسلم (رقم ١٩٢٩)مصدر غير محددحديث رقم ١٩٢٩ عن عدي بن حاتم رضي الله عنه قال: سألتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: إنا نرسل الكلاب المعلمة، قال: «إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله عليه فكل ما أمسك عليك، قلت: وإن قتلن؟ قال: وإن قتلن ما لم يشركها كلب ليس معها؛ فإنما سميت على كلبك ولم تسم على غيره».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
الْجَوَارِحِ
جمع جارحة، وهي الكواسب من سباع البهائم والطيور كالكلاب والفهود والصقور والبزاة والعقبان؛ سميت جوارح لأنها تجرح الصيد، أو لأنها تكسب لأصحابها القوت؛ ومنه قيل لليد والرجل جوارح.
مُكَلِّبِينَ
أصحاب الكلاب المدربين لها؛ واشتقاق التكليب من الكلب لغلبته في الصيد، ثم أُطلق على مدرب سائر الحيوانات الصائدة كالفهد والبازي تشبيهاً بها.
تُعَلِّمُونَهُنَّ
ضابط التعليم الشرعي: أن يسترسل إذا أُرسل، وينزجر إذا زُجر، ويمسك الصيد على صاحبه فلا يأكل منه.
يَسْأَلُونَكَ
فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو فاعل والكاف مفعول به أول.
مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ
ما اسم استفهام مبتدأ، وذا اسم موصول خبر، أو ماذا كلمة واحدة اسم استفهام في محل رفع مبتدأ أو نصب مفعول مقدم لأحل؛ وأحل فعل مبني للمجهول ونائب الفاعل مستتر ولهم متعلق به.
قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ
مقول القول، الطيبات نائب فاعل مرفوع بالضمة.
وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِحِ
الواو عاطفة، ما اسم موصول مبني في محل رفع معطوف على الطيبات؛ أي: وصيد ما علمتم من الجوارح حلال لكم؛ وجملة علمتم صلة الموصول، ومن الجوارح متعلق بمحذوف حال.
مُكَلِّبِينَ
حال منصوبة بالياء من فاعل "علّمتم".
تُعَلِّمُونَهُنَّ
جملة فعلية في محل نصب حال ثانية مؤكدة.
مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ
متعلق بتعلمونهن.
فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ
الفاء رابطة أو عاطفة تفريعية، كلوا فعل أمر وفاعله، ومما متعلق بكلوا، وجملة أمسكن صلة وعليكم متعلق بأمسكن.
وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ
الواو عاطفة، اذكروا فعل أمر واسم مفعول به، وعليه متعلق باذكروا (أي عند إرسال الجارحة).
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تفصيل استثناءات الصيد ورفع الحرج:
لما حرّم الله في الآية السابقة {وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ}، وقع في نفوس أهل البادية والصيادين خوف من ألا يحل لهم ما قتله كلب الصيد؛ فبينت هذه الآية الكريمة استثناءً تشريعياً عظيماً: وهو أن صيد الجارحة المعلمة يُعد تذكية قائمة مقام الذبح المباشر بالسكين رفقاً وتيسيراً على العباد، مع ضبط ذلك بشرطين جليلين: التعليم وإمساك الصيد لصاحبه، وذكر اسم الله عند الإرسال.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
شبهة نجاسة فم الكلب وحل أكل ما عضه الصيد:
يدفع الإشكال: أثار بعضهم إشكالاً: كيف أمر النبي صلى الله عليه وسلم بغسل الإناء إذا ولغ فيه الكلب سبع مرات إحداهن بالتراب لنجاسته، ثم يبيح القرآن هنا أكل ما عضه الكلب وأمسكه بأسنانه؟
رد المحققون من أئمة الفقه والحديث -كابن تيمية وابن القيم في "إعلام الموقعين"- ببيان دقيق:
رخصة الصيد استثناء تشريعي مقصود لمصلحة المكلفين ورفع المشقة والحرج العظيم؛ فلو أُوجب غسل موضع العض بالتراب سبع مرات لفسد الصيد وتعذر الانتفاع به.
فرّق الشرع بين "الولوغ في الماء الراكد" الذي يستقذر ويتلوث باللعاب، وبين "عض الصيد في موضع جرحه"؛ فالدم المسفوح أصلاً معفو عن أثره بعد الغسل العادي أو الطهي؛ والشريعة مبنية على التيسير في مواطن الضرورات والمشاق العامة.
شرف العلم والتعليم في قوله {تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ}: استنبط العلماء نكتة بيانية بالغة الجلالة: إن الكلب البهيم ميزه الله بسبب "العلم والتدريب" فجعل صيده حلالاً طيباً يُؤكل، وحرّم صيد الكلب الجاهل؛ فإذا كان العلم قد رفع قدر الحيوان الأعجم وميز كسبه عن الميتة، فكيف برفعته لمنزلة الإنسان وكرامته عند الله؟!
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
إدراك فضيلة العلم والتعلم، واليقين بأن التدريب والإتقان يصنع الفارق في شتى ميادين الحياة.
المداومة على ذكر اسم الله والبسملة في كافة الأفعال والمآكل؛ لربط كل عمل دنيوي بعبادة الخالق العظيم.