تكفير القائلين بألوهية المسيح وإقامة البرهان القاطع:
أخرج الطبري (ج ١٠، ص ٦٦٣-٦٧٢)مصدر غير محدد١٠/٦٦٣ وابن أبي حاتم وابن كثير عن ابن عباس وقتادة والضحاك: حكم الله حكماً جازماً بكفر طوائف النصارى (كاليعقوبية ومن وافقهم) الذين زعموا أن الله حلّ في جسد المسيح أو اتحد به، أو قالوا: الله هو المسيح بن مريم ظهر للبشر بجسده؛ فأبطل الله دعواهم بالحجة العقلية القاهرة وأمر نبيه أن يقول لهم: لو أراد الله أن يهلك المسيح وأمه الصديقة ومن في الأرض جميعاً فمن ذا الذي يقدر على منعه أو رد قضائه؟! فبين عجزهم التام وتبعية كل ما في الوجود لقدرة الله القهارة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
يَمْلِكُ
الملك والقدرة على المنع والدفع والحماية.
شَيْئًا
نكرة في سياق النفي أو الاستفهام الإنكاري تفيد العموم القطعي؛ أي لا يملك أدنى شيء من الدفع.
يُهْلِكَ
الإماتة والإفناء والإعدام.
لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ
اللام واقعة في جواب قسم مقدر، قد حرف تحقيق، كفر فعل ماض، الذين فاعل، وجملة قالوا صلة الموصول.
إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ
جملة مقول القول في محل نصب؛ إن واسمها، هو ضمير فصل لا محل له، والمسيح خبر إن؛ أو هو مبتدأ والمسيح خبره والجملة خبر إن، وابن مريم نعت ومضاف إليه.
قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا
الفاء فصيحة، من اسم استفهام إنكاري في محل رفع مبتدأ، وجملة يملك خبره؛ ومن الله متعلق بيملك، وشيئاً مفعول به منصوب.
إِنْ أَرَادَ
إن شرطية، أراد فعل ماض في محل جزم فعل الشرط، والفاعل هو الله.
أَن يُهْلِكَ
أن وما في حيزها في تأويل مصدر مفعول به لأراد، والمسيح مفعول به ليهلك، وأمه معطوف، ومن معطوف، وجميعاً حال منصوبة.
وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ
الواو استئنافية تقريرية، لله خبر مقدم، وملك مبتدأ مؤخر، والسموات مضاف إليه وما بعدها معطوفات.
يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ
جملة حالية أو مستأنفة مفسرة؛ يخلق مضارع والفاعل مستتر وما مفعول به وجملة يشاء صلة.
وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
تذييل مقرر لعموم القدرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المحاكمة العقدية المباشرة ودحض الاتحاد والحلول:
بعد أن دعاهم في الآيات السابقة إلى اتباع النور والكتاب المبين، واجه هنا أصل انحرافهم العقدي الأكبر وهو ادعاء ألوهية المسيح؛ فنسف هذا المعتقد بالدليل العقلي البديهي الذي يفهمه العامي والفيلسوف؛ مبيناً التباين التام بين الخالق القادر الفاعل المالك، وبين المخلوق العاجز المربوب القابل للفناء والموت.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
البرهان العقلي القطعي في إبطال ألوهية المسيح:
أقام القرآن في هذه الآية محاكمة عقلية من أعظم براهين التوحيد:
برهان القابلية للهلاك والعدم: إن الإله الحق واجب الوجود حي قيوم لا يجوز عليه الفناء ولا الموت ولا التغير؛ بينما المسيح وأمه مخلوقان حادثان كانا عدماً ثم وجدا، وطارئة عليهما عوارض البشرية من الأكل والشرب والنمو والألم، وقابلان للهلاك والإفناء بمشيئة الله؛ وما جاز عليه العدم والفناء استحال عقلاً أن يكون إلهاً.
برهان العجز الذاتي: فلو أراد الله إفناء المسيح وأمه لما ملك أحد من أهل الأرض لهما نفعاً ولا ضراً، وما لا يملك دفع الهلاك عن نفسه وعن أقرب الناس إليه (أمه) كيف يكون رباً مقتدراً خالقاً للكون؟!
برهان الاختصاص بالخلق {يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ}: خلق عيسى من غير أب ليس دليلاً على ألوهيته، بل هو مظهر من مظاهر طلاقة القدرة الإلهية التي تخلق ما تشاء بكيفيات متنوعة (خلق آدم بلا أب ولا أم، وخلق حواء من أب بلا أم، وخلق عيسى من أم بلا أب، وخلق سائر البشر من أب وأم).
الاستفهام الإنكاري التعجيزي {فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا}: أسلوب يسحق كل كبرياء ويدحض كل توهم؛ وإفراد {أُمَّهُ} بالذكر مع المسيح تحريك للوجدان الفطري؛ لتذكيرهم بأنه ابن امرأة حملت به وولدته وأرضعته فكيف يُعبد مع الله؟! والختام بـ {يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ} حسم لأصل الشبهة التي نشأت من كيفية خلقه الخارقة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
توحيد الله وتنزيهه عن كل أشكال الشرك والتجسيم والحلول، وإخلاص العبادة له وحده لا شريك له.
تحرير العقل من التناقضات المذهبية المتوارثة، والاعتماد على براهين الوحي والفطرة السليمة.