تفسير الآثار في وجوب الطاعة المطلقة والحذر من مخالفة الشرع:
أخرج الطبري (ج ١٠، ص ٦٧٩-٦٨٣)مصدر غير محدد١٠/٦٧٩ وابن أبي حاتم وابن كثير عن قتادة ومجاهد والحسن: «أمر الله بطاعته وطاعة رسوله في امتثال الأوامر وترك النواهي واجتناب الخمر والميسر وسائر المحرمات، وأمر بالحذر الشديد من معصيته ومخالفة أمره؛ فإن أعرضتم وتوليتم فلن تضروا الله ولا رسوله شيئاً، فإنما على الرسول أن يبلغكم البلاغ المبين الواضح، وقد فعل وبلغ، وبقي الحساب والجزاء والعقاب على الله العلي العظيم».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
وَاحْذَرُوا
خافوا معصية الله وتعدي حدوده، والحذر التيقظ والتوقي من الهلاك.
تَوَلَّيْتُمْ
أعرضتم ونكصتم عن الطاعة.
الْبَلَاغُ الْمُبِينُ
الإيصال الواضح الكاشف لكل لبس المبرئ للذمة.
وَأَطِيعُوا اللَّهَ
أمر وفاعله، والله مفعول به.
وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ
تكرار الأمر للتأكيد واستقلال طاعة الرسول بالتشريع.
وَاحْذَرُوا
معطوف على أطيعوا مبني على حذف النون، والفاعل الواو والمفعول محذوف (أي احذروا معصيته).
فَإِن تَوَلَّيْتُمْ
الفاء استئنافية، إن شرطية، توليتم ماضٍ في محل جزم فعل الشرط والتاء فاعل.
فَاعْلَمُوا
الفاء رابطة لجواب الشرط، اعلموا أمر مبني على حذف النون والواو فاعل.
أَنَّمَا
كافة ومكفوفة أداة حصر تسد مع ما بعدها مسد مفعولي اعلموا.
عَلَىٰ رَسُولِنَا
جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم، ونا مضاف إليه.
الْبَلَاغُ
مبتدأ مؤخر مرفوع بالضمة.
الْمُبِينُ
نعت للبلاغ مرفوع بالضمة، والجملة في محل جزم جواب الشرط.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إحاطة التحريم بسياج الرهبة والتحذير من عواقب التمرد:
توكيد تشريعي قاطع؛ بعد أن أقام البراهين المنطقية والنفسية على تحريم الخمر والميسر في الآيات السابقة، ربط الأمر هنا بالأصل الكلي الذي تدور عليه الشريعة: وهو "وجوب الطاعة التامة لله وللرسول"؛ محذراً من التمرد أو التهاون، ومبيناً أن إعراض المعرضين لا ينقص من جاه الشريعة شيئاً، فالنبي قد أدى الأمانة وبقي السيف والعقاب للمتمردين.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
تحقيق دلالة تكرار الأمر {وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ} في استقلال السنة بالتشريع:
قرر أئمة الأصول (كالشافعي في "الرسالة" وابن القيم في "إعلام الموقعين"):
تكرار فعل الأمر {أَطِيعُوا} مع الرسول صلى الله عليه وسلم دليل قطعي على أن طاعة الرسول مستقلة وواجبة لذاتها، وأن ما حرمه رسول الله مثل ما حرمه الله في القرآن؛ رداً على القرآنيين ومنكري السنة؛ فإذا حرم النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً ككل مسكر وقليل الخمر والجمع بين المرأة وعمتها، وجبت طاعته قطعاً كوجوب طاعة القرآن.
إطلاق المفعول في {وَاحْذَرُوا}: حذف المفعول به لإفادة التهويل والتعميم؛ أي احذروا كل ما يوجب سخط الله؛ احذروا معصيته، واحذروا عقابه، واحذروا الالتفاف على حدوده.
الحصر بـ {أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ}: أسلوب تهديد مضمر في غاية الجزالة؛ أي ليس الرسول مسيطراً عليكم ولا مجبراً لكم، إنما هو نذير مبين، فإذا أبلغكم فقد قامت عليكم الحجة وانقطعت معاذيركم واستوجبتم النكال إن توليتم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الانقياد التام لأوامر الشريعة ونواهيها دون تردد أو تسويف.
اليقين بأن مهمة الداعية هي البلاغ المبين والبيان بالحكمة، وأن الهداية والحساب بيد رب الأرباب.