تفسير الآثار في دعاء عيسى وخشوعه وصفة المائدة المنزلة:
أخرج ابن جرير الطبري (ج ١١، ص ١٨١-٢٠٠)مصدر غير محدد١١/١٨١ وابن أبي حاتم وابن كثير وأحمد والترمذي (رقم ٣٠٦١)مصدر غير محددحديث رقم ٣٠٦١ والحاكم عن عمار بن ياسر وابن عباس وسلمان الفارسي: «لما سمع عيسى مقاصدهم، لبس جبة من شعر وشمر ووقف متضرعاً يبكي ويسيل دمعه على لحيته وصدره، مطرقاً رأسه إلى الأرض حياءً من الله، وقال: {اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِّنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِّأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا...}».
وروى عمار بن ياسر رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «نزلت المائدة من السماء خبزاً ولحماً، وأُمروا ألا يخونوا ولا يدخروا لغد، فخانوا وادخروا ورَفَعوا، فمُسخوا قردة وخنازير».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
اللَّهُمَّ
يا الله، والميم المشددة عوض عن حرف النداء المحذوف.
عِيدًا
العيد هو اليوم المجموع المعظم الذي يعود ويتكرر بالفرح والسرور والعبادة والشكر.
لِّأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا
لأهل زماننا ومن يجيء بعدنا من أجيال أمتنا، نتخذه يوم شكر وتعظيم.
وَآيَةً مِّنكَ
حجة ومعجزة ودلالة باهرة على كمال قدرتك وصدق رسالتي.
قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ
ماضٍ وفاعله ونعت ومضاف إليه.
اللَّهُمَّ
منادى مبني على الضم والميم المشددة عوض عن ياء النداء.
رَبَّنَا
منادى ثانٍ مضاف منصوب بالفتحة ونا مضاف إليه للتضرع.
أَنزِلْ
فعل دعاء ومسألة مبني على السكون والفاعل مستتر تقديره أنت.
عَلَيْنَا
متعلق بأنزل.
مَائِدَةً
مفعول به لأنزل منصوب بالفتحة.
مِّنَ السَّمَاءِ
نعت لمائدة.
تَكُونُ
مضارع ناقص مجزوم في جواب الطلب (أو مرفوع على الاستئناف ونعت لمائدة)، واسمها مستتر عائد على مائدة.
لَنَا
متعلق بمحذوف حال من عيداً أو بالخبر.
عِيدًا
خبر تكون منصوب بالفتحة.
لِّأَوَّلِنَا
جار ومجرور بدل من لنا، ونا مضاف إليه.
وَآخِرِنَا
معطوف مجرور.
وَآيَةً
معطوف على عيداً منصوب.
مِّنكَ
متعلق بمحذوف نعت لآية.
وَارْزُقْنَا
معطوف على أنزل، فعل دعاء ومفعوله.
وَأَنتَ
الواو حالية، أنت ضمير منفصل مبتدأ.
خَيْرُ الرَّازِقِينَ
خبر المبتدأ مرفوع وهو مضاف، والرازقين مضاف إليه مجرور بالياء؛ والجملة الاسمية في محل نصب حال مؤكدة للرجاء.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
أدب النبوة السامي في تحويل المطالب الحسية إلى معانٍ عقدية وشكرية:
ارتقاء نبوي شريف بالدعاء؛ فبينما قدم الحواريون مطلب البطن {نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا}، هذب عيسى عليه السلام الدعاء فقدم المعنى الديني والشكري أولاً: {تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِّأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِّنكَ}، ثم أخر الرزق في الختام متأدباً: {وَارْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ}؛ معلماً البشرية كيف ترتقي بأشواقها ومطالبها المادية لتجعلها منابر للعبادة وشكر المنعم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تحقيق نزول المائدة حقيقة والرد على من زعم أنها ضرب مثل:
يدفع الإشكال: ذهب بعض المبتدعة والمستشرقين إلى أن قصة المائدة مجرد تمثيل وتشبيه لفيضان الرزق وليست مائدة حقيقية هبطت من السماء!
والتحقيق العلمي الأثري القطعي:
المائدة نزلت حقيقة بإجماع سلف الأمة وجماهير المفسرين؛ للفظ الصريح القاطع من الله في الآية اللاحقة: {إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ}، والحديث المرفوع الصحيح عن عمار بن ياسر في نزولها وأكلهم منها؛ وصرف النص القرآني الصريح عن حقيقته إلى المجاز بلا موجب تحريف وتكذيب للوحي وقدرة الخالق.