تفسير الآثار في كفر من ادعى ألوهية المسيح عليه السلام:
أخرج الطبري (ج ١٠، ص ٥٤١-٥٤٦)مصدر غير محدد١٠/٥٤١ وابن أبي حاتم وابن كثير عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي: «هذا حكم قاطع من الله تعالى بكفر طوائف النصارى الذين زعموا أن المسيح عيسى بن مريم هو الله تجسد ونزل؛ وهم اليعقوبية ومن وافقهم؛ فأكذبهم الله وأثبت كفرهم الصريح؛ وبيّن أن المسيح نفسه عليه السلام أول من رد عليهم وبرئ من مقالتهم، حيث قال لهم: {يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ}».
وروى البخاري في "صحيحه" (رقم ٣٤٤٥)مصدر غير محددحديث رقم ٣٤٤٥ ومسلم (رقم ٢٨)مصدر غير محددحديث رقم ٢٨ عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، والجنة حق والنار حق، أدخله الله الجنة على ما كان من العمل».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
لَقَدْ كَفَرَ
تأكيد قطعي باللام وقد بوقوع الكفر البواح المخرج من الملة.
الْمَسِيحُ
لقب عيسى عليه السلام؛ ومسيح فعيل بمعنى مفعول لأنه مُسح بالبركة، أو فاعل لأنه كان يمسح الأكمه والأبرص فيبرأ بإذن الله.
فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ
التحريم هنا تأبيد المنع؛ أي حرم عليه دخول الجنة تحريماً قاطعاً أبدياً لا مطمع فيه لمشرك.
وَمَأْوَاهُ النَّارُ
مستقره ومصيره الدائم.
لَقَدْ
اللام واقعة في جواب قسم مقدر، قد حرف تحقيق.
كَفَرَ الَّذِينَ
كفر ماضٍ والذين فاعله.
قَالُوا
صلة الموصول.
إِنَّ اللَّهَ
إن واسمها منصوب بالفتحة.
هُوَ
ضمير فصل لا محل له، أو مبتدأ ثانٍ.
الْمَسِيحُ
خبر إن مرفوع (أو خبر هو، والجملة خبر إن)، وابن نعت للمسيح ومريم مضاف إليه مجرور بالفتحة لمنعه من الصرف للعلمية والتأنيث، وجملة إن وما في حيزها مقول القول.
وَقَالَ الْمَسِيحُ
الواو حالية أو استئنافية، قال ماضٍ والمسيح فاعل.
يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ
منادى مضاف منصوب بالياء وإسرائيل مضاف إليه.
اعْبُدُوا اللَّهَ
أمر مبني على حذف النون والواو فاعل والله مفعول به.
رَبِّي وَرَبَّكُمْ
ربي بدل من لفظ الجلالة أو نعت منصوب بفتحة مقدرة وربكم معطوف منصوب.
إِنَّهُ
إن واسمها ضمير الشأن.
مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ
من اسم شرط جازم مبتدأ، يشرك مضارع مجزوم وفعل الشرط والفاعل مستتر وبالله متعلق بيشرك.
فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ
الفاء رابطة، قد حرف تحقيق، حرم ماضٍ والله فاعل وعليه متعلق بحرم والجنة مفعول به، والجملة في محل جزم جواب الشرط؛ وفعل الشرط وجوابه خبر من، وجملة الشرط خبر ضمير الشأن إن.
الواو استئنافية، ما نافية مهملة، للظالمين متعلق بمحذوف خبر مقدم، من حرف جر زائد لاستغراق النفي، أنصار مبتدأ مؤخر مجرور لفظاً مرفوع محلاً.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إلزام النصارى بكلمات نبيهم الصريحة في التوحيد:
سياق بالغ البراعة والإفحام؛ بعد أن كشف انحرافات اليهود، انتقل لمحاكمة أضاليل النصارى؛ فافتتح بحكم قضائي حاسم بكفر من ادعى ألوهية المسيح، ثم دحض مقالتهم بأعظم حجة: وهي نص كلام المسيح نفسه التاريخي المحفوظ؛ فالمسيح لم يقل قط أنا الله أو اعبدوني، بل صدع بالأمر الصريح: {اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ}؛ فجعل نفسه عبداً مربوباً مساوياً لهم في العبودية لله الواحد القهار؛ فكانت كلماته نسفاً لأصل العقيدة النصرانية المحرفة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تحقيق كفر القائلين بألوهية المسيح والرد على التلفيقات الحداثية:
يدفع الإشكال: يحاول بعض المعاصرين تلطيف الحكم وتفادي تكفير من يزعم ألوهية عيسى أو بنوته لله بدعوى التسامح؛ والآية هنا تنص نصاً قطعياً لا يحتمل التأويل: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ}؛ فالقول بألوهية مخلوق حادث وُلد من بطن امرأة وأكل الطعام هو صريح الشرك الأكبر الذي حرّم الله على صاحبه الجنة وجعل مأواه النار خالداً فيها أبداً بنص الآية.
إضافة {ابْنُ مَرْيَمَ} في مقام ادعاء الألوهية: إبراز لصفة النقص البشري الدالة عقلاً على استحالة الألوهية؛ فالإله لا يولد من رحم امرأة ولا ينسب لأمه، ونسبته لأمه برهان حسي على بشريته وافتقاره وحدوثه.
التسوية بينه وبينهم في الربوبية {رَبِّي وَرَبَّكُمْ}: أسلوب بليغ في قطع أوهام التمايز الذاتي؛ فالله ربه وخالقه كما هو ربهم وخالقهم لا فرق في أصل العبودية.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تجريد التوحيد الخالص لله رب العالمين، والحذر من الغلو في الصالحين والأنبياء وتجاوز رتبة العبودية.
إنقاذ النصارى بتبصيرهم بحقيقة دين المسيح الموحد والتبرؤ من مجامع الشرك والتحريف.